![]() |
| جبل جيراي كما يبدو عبر البحر من جورج تاون، جزيرة بينانج. |
تمهيدٌ في جبلٍ ولوحة
من وقف على الساحل الشمالي من جزيرة بينانج في يومٍ صحوٍ ونظر شمالًا، رأى من وراء الماء كتلةً زرقاء تنفرد في الأفق. وأكثرُ من يراها لا يسأل عن اسمها. وهو جبل جيراي؛ يقوم وحده في سهلٍ من حقول الأرزّ لا ينازعه فيه شيء، وارتفاعه ١٢١٧ مترًا، فصار علامةً تُرى من عرض البحر قبل أن تُرى الأرض. وعليه كان الملّاح القادم من الهند يصوّب سفينته، فإذا بلغه علم أنّه بلغ الموضع الذي ينتظر فيه انقلاب الريح ليمضي إلى الصين.
ومن سافر اليوم شمالًا في الطريق السريع مرّ به على يساره في نحو ساعة. وتحته، في الوادي الممتدّ بينه وبين نهر مودا، أرضٌ لم يُكشف عن أكثرها بعد: أُخرج منها إلى اليوم أكثرُ من خمسين معبدًا هندوسيًّا وبوذيًّا، ومرافئُ ومخازن، وسبعةَ عشر موضعًا لصهر الحديد بأفرانها ومنافيخها وخَبَثها. وليس على الطريق ما يدلّ المسافر على شيءٍ من ذلك.
وفي ألور ستار، في مبنًى كان قصرًا سلطانيًّا قبل أن يصير متحفًا، لوحةٌ معلّقةٌ عنوانها «أسطورة أصل حكّام قِدَح»، تحتها صورةُ طائرٍ أسودَ هائلٍ ينقضّ على سفينةٍ في بحرٍ هائج.
وهذه الولاية التي يسمّيها أهلُها «قِدَح دار الأمان» تقوم في أقصى شمال شبه الجزيرة الملايوية، حيث تنتهي أرضُ الملايو وتبتدئ أرضُ سيام. وتُعَدّ سلالتُها، في تقليدها الملكيّ، من أقدم البيوت الحاكمة الباقية في شبه الجزيرة؛ فسلطنتها تُؤرَّخ في المشهور عند أهلها بسنة ٥٣١ للهجرة الموافقة لسنة ١١٣٦ للميلاد، وعلى العرش اليوم سلطانُها التاسع والعشرون في السلسلة. فهي أسبقُ من سلطنة ملاقة بنحو ثلاثة قرون. وقد مرّ عليها الشولا من الهند غزاةً، وضمّها السياميون إلى ملكهم عشرين سنة، ثم جاءها الإنجليز، ثم اليابانيون، وهي باقية.
على أنّ السؤال الذي يعنينا هاهنا ليس: كيف بقيت؟ بل: كيف بدأت؟
وما بين أيدينا في هذا الباب صنفان لا صنفٌ واحد. فكتابان يزعمان أنّهما يعرفان الجواب: كتابٌ يُخرج أوّل ملوكها من بلاد الروم، وكتابٌ يُخرجه من بلاد فارس، وهما لا يتّفقان لا في الرجل ولا في الجهة ولا في اسم أوّل من أسلم. وإلى جانبهما شهودٌ لا يزعمون شيئًا من ذلك ولم يُسألوا عنه: تربةٌ تُخرج ما كان فيها، وجغرافيون عربٌ وفرسٌ كتبوا ما رأوا من مرفئها، ونقوشُ الهند وسجلّاتُ الصين تذكرها فيما تذكر. وفرقٌ بين من يجيبك عن سؤالك ومن يعطيك ما عنده وأنت الذي تسأل.
أوّلًا: النسب الروميّ — ما تقوله الحكاية
وخلاصةُ ما في تلك اللوحة أنّ أصل ملوك قِدَح مذكورٌ في «حكاية مِيرونج مَهاوَنجسا»، وأنّه متعلّقٌ بطائر «الغَرودا» الذي هو مركَبُ فِشنو في أساطير الهند.
وتفصيلُ الحكاية على ما جاء في هذا الكتاب — وهو المعروف أيضًا بـ«سِجِلّات قِدَح» — أنّ ملكًا يُقال له مِيرونج مَهاوَنجسا، يُنسب إلى ذي القرنين، خرج من بلاد الرُّوم بأسطولٍ من سفينتين كبيرتين وتسعِ صغائر، يُشيّع أميرًا روميًّا إلى الصين ليتزوّج ابنة ملكها؛ فيجتمع بذلك الشرقُ والغرب في صِهرٍ واحد. وكان الغَرودا قد راهن نبيَّ الله سليمان عليه السلام أنّه يحول بين هذا الزواج وبين التمام، فانقضّ على الأسطول مرّةً بعد مرّة يفرّق سفنه، حتى إذا انفرد الأميرُ الروميُّ عن الأسطول أغرق سفينته، ونجا الأمير على لوحٍ حتى قذفه البحر إلى جزيرة لنكاوي.
أمّا ميرونج مهاونجسا فألجأته الريحُ إلى ساحلٍ عند سفح جبل جيراي في وادي بوجانج، فأقام هناك ينتظر خبر الأمير، وبنى حصنًا ودارًا في أرضٍ خصبةٍ صالحةٍ للتجارة، وتزوّج من أهلها، وسمّى ما أنشأه «لَنكاسوكا». وأقبل عليه أهلُ تلك النواحي فقبلوه ملكًا عليهم، فكان جَدَّ ملوك قِدَح ومنه ابتدأ نسبهم. ثم عاد إلى بلاده وترك المُلك لابنه ميرونج مَهابوديسات؛ وأوصى بنيه فاقتسموا الأرض: هذا لسيام، وهذا لأرض الفضة، وهذا لفَطاني، وبقي أصغرُهم في قِدَح بلقب «راجا سِري مَهاوَنجسا». ومن هذه الذرّية جاء «راجا بِرْسِيونج» — أي الملك ذو الناب — الذي تقول الحكايةُ إنّه أدمن شرب الدماء حتى ثار عليه رعاياه فخلعوه، وهي من أشهر حكايات قِدَح على ألسنة العامّة إلى اليوم.
ثانيًا: النسب الفارسيّ — ما تقوله السلاسلة
وإلى جانب الحكاية كتابٌ ثانٍ أقربُ إلى القصر وأحدثُ عهدًا: «التاريخ سلاسلة نيغري قِدَح»، كتبه محمد حسن بن محمد أرشد، كاتبُ سرّ السلطان، وفرغ منه في مطلع سنة ١٩٢٧؛ وهو من أهمّ المصادر البلاطية التي بُني عليها تحريرُ سلسلة ملوك قِدَح. وليس فيه غَرودا ولا رهانٌ على سليمان، ولا سفينةُ عرسٍ تمضي إلى الصين.
غير أنّه يخالف الحكاية في أصل الأمر كلِّه. فأوّل ملوك قِدَح عنده ليس ميرونج مهاونجسا الخارج من الروم، وإنّما «مهاراجا دِربار راجا» قادمًا من بلاد فارس بعد هزيمةٍ أصابته في حرب. ولا يذكر الكتابُ من أين علِم هذا، ولا في أيّ زمانٍ كان؛ فليس فيه لقدوم الرجل تاريخ. ثم يخالفها ثانيةً في الموضع الذي عليه مدارُ السلطنة كلِّها: فالملك الذي أسلم عنده هو «دِربار راجا الثاني»، لا «فْرا أُونج مَهاوَنجسا». ثم هو يجعل هذا الملك تاسعَ ملوك قِدَح، ويُسمّي ثمانيةً قبله، ولا يذكر لواحدٍ منهم تاريخًا ولا مُدّةَ حكم. فالقصر يحفظ الأسماء ولا يحفظ الأزمنة.
فبين يدي القصر نسبان: روميٌّ وفارسيّ، ولا سبيل إلى الجمع بينهما. ويلتقيان في أمرين: أنّ الحاكم المسلم الأوّل هو أصلُ شخصية «السلطان مظفّر شاه» — وإن اختلفت نسخُ الحكاية في صورة الاسم — وأنّ الأصل، أيًّا كان، جاء من وراء البحر.
ثالثًا: في قراءة النسبين
والباحثُ إذا وقف عند ظاهر النسبين ردّهما جملةً وقال: خرافة. وإذا نظر في مقاصدهما وجد فيهما من التاريخ ما ليس في ظاهرهما. فليس واحدٌ منهما خبرًا عمّا جرى، وإنّما هو حُجّةٌ في مشروعية المُلك؛ ومثلُهما في ذلك مثلُ «سُلالة السلاطين» — سِجِلّات ملاقة — التي ردّت نسب سلاطينها إلى الإسكندر ذي القرنين. فالمقصود واحد: أن يُنسب البيتُ المالك إلى أعظم ما تعرفه الدنيا من الأنساب.
ثم تأمّل في اختيار الطرفين في الحكاية: الرُّومُ والصين. فهما في تصوّر ذلك الزمان قطبا العالم المعمور: مُلكُ الغرب ومُلكُ الشرق. فإذا جعلتَ أصلَ سلطانك في السفينة التي كانت تجمع بين القطبين، فقد جعلتَ بلادك مركزَ الأرض لا طرفَها. وهذا في الحقيقة وصفٌ صادقٌ لقِدَح، لا في النسب بل في الجغرافيا؛ فإنّها كانت مرفأ المنتصف بين الهند والصين، تُلقي فيه السفنُ مراسيَها تنتظر انقلاب الرياح الموسمية.
ثم تأمّل موضع الغَرودا من القصة: هو طائرُ فشنو في دين الهند، ولكنّه في هذه الحكاية يُراهن سليمانَ عليه السلام فيُخسَر رهانه. فالمادّةُ هندوسيةٌ والإطارُ إسلامي؛ وهذا يدلّك على أنّ الصورة التي وصلتنا من الحكاية تشكّلت في بيئةٍ إسلامية بعد دخول الإسلام بزمنٍ طويل، وإن تكن قد حفظت عناصر أقدم منها؛ وأنّ كاتبها كان يُصالح بين ماضٍ هندوسيٍّ لا يستطيع إنكاره وحاضرٍ إسلاميٍّ لا يريد التفريط فيه. فجعل الأسطورة القديمة تنتهي إلى الإذعان لسليمان، كما انتهت المملكةُ القديمة إلى الإسلام. وأمّا زمنُ تدوين الحكاية على وجه التحديد فيختلف فيه الباحثون اختلافًا يمتدّ قرونًا، ولم يستقرّ الأمر فيه على قول.
وفي الكتابين موضعٌ يُخطئ فيه ظاهرُهما التاريخَ خطأً بيّنًا، وهو إلصاقُ «لنكاسوكا» بقِدَح: فالحكاية تجعلها اسمَ ما أنشأه ميرونج، والسلاسلة تجعل دِربار راجا هو الذي أقام «كوتا لنكاسوكا». ولنكاسوكا مملكةٌ معروفةٌ في السجلّات الصينية من القرن السادس الميلادي، ويُرجَّح عند أكثر الباحثين أنّها كانت في الساحل الشرقي في نواحي فَطاني لا في قِدَح. فالكتابان جمعا بين مملكتين متجاورتين في الزمان متباعدتين في المكان، وهذا شأنُ الذاكرة الشعبية أن تضمّ المتفرّق وتُسقط الوسائط.
والذي بين الكتابين أنفعُ من كلٍّ منهما على حدة. فإنّهما يختلفان في كلّ شيء إلّا في أمرٍ واحد: أنّ الملك لا يكون ابن أرضه. هذا يجلبه من الروم، وذاك من فارس؛ وسِجِلّات ملاقة تُدخل في سلسلتها «راجا شولان» وهو ملك الشولا في الذاكرة الملايوية. فالأنساب في هذه البلاد كلِّها تُطلب من وراء البحر. وليس ذلك — في ظنّي — لأنّ الملوك جاؤوا من هناك، بل لأنّ الشرعية كانت تُستورد كما تُستورد البضاعة، وتدخل من الباب الذي تدخل منه: باب الميناء.
رابعًا: شهادةُ التراب
وإلى جانب الكتابين شاهدٌ لا يتكلّم بلسانٍ وإنما يُستخرج من الأرض، ولا يزعم أنّه يعرف أوّل الأمر، وإنّما يُري ما كان. ففي وادي بوجانج، الممتدّ بين جبل جيراي شمالًا ونهر مودا جنوبًا في نحو مئتين وأربعةٍ وعشرين كيلومترًا مربّعًا، كُشف عن أكثر من خمسين معبدًا هندوسيًّا وبوذيًّا تُسمّى «تشاندي»، ومرافئَ ومخازنَ وكتاباتٍ بخطوط الهند. ثم كان الكشف الأخطر في موقع «سونجاي باتو»، حيث نُقّب منذ سنة ٢٠٠٩ عن سبعة عشر مشغلًا لصهر الحديد، بأفرانها ومنافيخها وخامها وخَبَثها وسبائكها.
وأمّا تأريخ هذه الصناعة فموضعُ نظرٍ طويل، ومن الأمانة أن يُذكر على وجهه. فقد أعطت عيّنةُ فحمٍ واحدةٌ من موقع الصهر مدًى بين سنة ٧٨٨ وسنة ٥٣٧ قبل الميلاد باحتمالٍ يبلغ خمسةً وتسعين في المئة؛ ومن هذا المدى شاع الرقمُ الأعلى وحده — ٧٨٨ قبل الميلاد — في الصحافة.
غير أنّ الباحثين أنفسهم، لمّا أدخلوا تواريخ الموقع في نموذجٍ زمنيّ، وجدوا هذه العيّنة شاذّةً عمّا حولها؛ فبينها وبين أقرب عيّنةٍ إليها فجوةٌ تمتدّ من القرن السادس قبل الميلاد إلى القرن الثاني بعده، نحو ثمانمئة سنةٍ لا شاهد فيها، وقد استُبعدت قبلها أربعُ عيّناتٍ أخرى لسوء توافقها. والنموذجُ نفسه يضع نشاط ذلك الموقع بين القرن الثاني والثامن للميلاد، ويقول أصحابه إنّ تحديد أقدم عهدٍ له يحتاج إلى عيّناتٍ من الطبقات السفلى لم تُدرَس بعد.
ومع ذلك ما زال فريقُ سونجاي باتو — فريقُ البروفيسور مختار سعيدين من جامعة العلوم الماليزية — يرجّح للمنشآت والنشاط الصناعيّ في المجمَّع بداياتٍ أقدمَ تبلغ القرن السادس قبل الميلاد؛ ويستند في ذلك إلى تأريخاتٍ من مواقع شتّى وبأكثر من أداة، منها تأريخُ آجُرّ منشآت الرصيف بالتنبيه الضوئي. وليس هذا الترجيح موضعَ قبولٍ عند الجميع؛ فقد قال جون مِكسيك إنّ الأثريّين لا يبنون عادةً على تأريخٍ كربونيٍّ مفرد، وقال تشارلز هايام إنّ المرء لا يبني تقديره على عيّنةٍ شاذّة.
غير أنّ الخلاف كلَّه في كم كانت قديمة، لا في أنّها كانت. فالمتّفق عليه أنّ قِدَح لم تكن غابةً خاملةً ينتظر أهلُها أميرًا غريقًا من الروم يُعلّمهم المُلك، ولا أميرًا نازلًا من فارس؛ بل كانت أرضَ صناعةٍ وتجارةٍ ومرفأً عامرًا قبل أن يُكتب فيها حرفٌ واحد من الحكاية.
على أنّ التراب لا يُعطيك أكثر ممّا عنده. فهو يقول لك: ههنا كان ناسٌ يصهرون الحديد ويرسون السفن ويبنون المعابد. ولا يقول لك من كان رئيسهم ولا من أين جاء. فمن أراد أن يعرف لماذا قامت مملكةٌ في هذا الموضع بالذات فالجواب عنده كاملٌ: جبلٌ يهتدي به الملّاحون من البُعد، ومَراسٍ آمنةٌ ينتظر فيها الناسُ الريح، وحديدٌ في الأرض يُباع لمن ينتظر. وأمّا من أراد أن يعرف نسب الملوك فليس عنده منه شيء.
خامسًا: شهادةُ العرب والفرس
وهنا يدخل أهلُ لساننا في الخبر. فإنّ الموضع الذي تسمّيه كتبُ الجغرافيين المسلمين «كَلَه» و«كَلَه بار» يطابقه كثيرٌ من الباحثين بقِدَح، أو بمرفأٍ في نطاق الساحل الشمالي الغربي من شبه الجزيرة؛ وهو من أوائل ما ذُكر من بلاد ما وراء الهند في كتبنا. ذكرها ابن خُرداذبه في «المسالك والممالك» في القرن الثالث الهجري، وذكرها كتاب «أخبار الصين والهند» فجعل كَلَه في سلطان مملكة «الزابج». ووصفها أبو دُلَف فذكر أنّها مدينةٌ يُحيط بها سُور، فيها البساتين والمياه الجارية، ومناجمُ قصديرٍ لا نظير لها، وفي داخلها صنّاعٌ يعملون السيوف القَلَعيّة — وفي رسالته من الغرائب ما يوجب التحفّظ، غير أنّ وصف القصدير والسيوف يوافق ما عند غيره. وقال المسعودي إنّ كَلَه هي ملتقى سفن المسلمين من سِيراف وعُمان بسفن الصين. ثم جاء الإدريسي فوصفها في «نزهة المشتاق» — كتاب رُجَّار، وقد فرغ منه سنة ٥٤٨ للهجرة — بأنّها مرفأٌ لا يستغني عنه التجّار بين الهند والصين.
بل إنّ اسمها دخل في لسان العرب دخولًا لا يشعر به أكثرُ الناس اليوم — إن صحّ ما ذهب إليه من ذهب. فمن ألفاظ العربية القديمة «الرصاص القَلَعيّ»، وهو القصدير؛ وقيل إنّه منسوبٌ إلى «كَلَه» هذه لأنّها كانت معدنه ومَجلَبه، وقيل بل هو منسوبٌ إلى «قَلَعة» موضعٍ آخر، والمسألة إلى اليوم غير محسومة. وذكر الجاحظ السيفَ القَلَعيّ وحذّر من حدّه. وقسّم الكِنديُّ — في رسالته في السيوف وأجناسها التي كتبها للمعتصم — السيوفَ العتيقة ثلاثَ مراتب: اليمانيَّ أعلاها، ثم القَلَعيَّ، ثم الهنديَّ. فتأمّل هذا الجمع: حديدُ اليمن وحديدُ قِدَح مقرونان في صفحةٍ واحدةٍ من كتابٍ عربيٍّ في القرن الثالث الهجري؛ وبينهما آلافُ الأميال من الماء، ولكنّ التجارة لا تعرف المسافات.
وينبغي التنبيه — إنصافًا للحقيقة — إلى أنّ تعيين «كَلَه» في قِدَح ليس محلّ إجماع، بل هو من أقدم المسائل المتنازَعة في هذا الباب؛ يُختلف فيه منذ أوائل القرن الثامن عشر ولم يستقرّ الرأي فيه إلى اليوم، والمرشّحون يمتدّون على ساحلٍ طويلٍ بين جنوب سيام وكلانج. وقد بحث ألاستير لام عن الموضع بالأثر لا بالنصّ، فوقف على موقعين يصلح كلٌّ منهما أن يكون كَلَه: «بنكالان بوجانج» في قِدَح، وجزيرة «كو كو خاو» عند تاكوابا؛ وفي كليهما من فَخّار الشرق الأوسط ما يليق بمرفأ التقاء.
وقد يقول قائل: أليست الأسماء كلُّها متقاربة — كَلَه، وكَتاها، وكَدارام، وكَه-تشا، وقِدَح؟ والجواب أنّ تقارب الأصوات لا يُبنى عليه حكم؛ فالتشابه ليس نسبًا في اللغة كما أنّه ليس نسبًا في التاريخ. وهذه الأسماء ليست في درجةٍ واحدة: فبين «كَتاها» السنسكريتية و«كَدارام» التاميلية صلةٌ لغويةٌ معروفة، وعليهما لقبُ راجندرا «كَدارام كونْدان» أي فاتح كَدارام؛ و«كَه-تشا» نقلٌ صينيٌّ لصوتٍ محلّيّ يُرجَّح ولا يُقطع به؛ و«كَلَه» أضعفها جميعًا وأكثرها خصومة. وإنّما يقوم الترجيح على ما لا صلة له بالأسماء أصلًا: على ما خرج من التراب في تلك المرافئ، وعلى مسافات الطريق كما تصفها كتب المسالك، وعلى البضائع الموصوفة — قصديرٌ وحديد — وهي في تلك الأرض بعينها.
سادسًا: شهادةُ الهند والصين
وقد خرج الراهبُ الصينيُّ يي-جِنج في رحلةٍ استغرقت خمسًا وعشرين سنة بين ٦٧١ و٦٩٥ للميلاد، ركب فيها من كانتون سفينةً فارسيةً إلى سريفيجايا ثم إلى الهند. ويُرجَّح أنّه نزل في طريقه ذهابًا وإيابًا بالمرفأ الذي سمّاه «كَه-تشا»، وهو الذي يطابقه كثيرٌ من الباحثين بقِدَح. وذكرتها الآدابُ السنسكريتية باسم «كَتاها» في غير موضع.
ثم كانت سنةُ ١٠٢٥ للميلاد يومًا مشهودًا في تاريخها؛ إذ عبر راجندرا الأوّل ملكُ الشولا من جنوب الهند البحرَ بأسطولٍ عظيم فأغار على مرافئ المضيق. وفي نقشٍ من نقوشه في معبد تانجور، مؤرَّخٍ بسنة ١٠٣٠، أنّه أرسل السفن في لُجّة البحر فأسر «سنجراما فيجايوتّونجافارمان ملكَ كَدارام» مع فِيَلة جيشه، وأخذ ما جمعه من الكنوز؛ وفي تعداد ما غنِمه بوّابةُ الحرب المرصّعة «فِديادهارا تورانا» منسوبةً إلى سريفيجايا.
وقد يُظنّ أنّ الشولا صاروا بذلك ملوكًا لقِدَح، وأنّ في هذا أصلًا لسلسلةٍ جديدة. وليس في النقوش ما يحمل هذا الظنّ. أمّا سنجراما فالنقشُ يلقّبه «ملك كَدارام»، ويعدّه أكثرُ الباحثين حاكمَ سريفيجايا. وأمّا ما بعده فأصرح: لمّا عاد الشولا إلى كَدارام في عهد فيراراجندرا، قال نقشٌ من سنته السابعة إنّه فتحها ثمّ سلّمها إلى ملكٍ طلب مساعدته؛ وللعبارة قراءةٌ أخرى عند المحقّقين. وعلى القراءتين جميعًا فهذه غاراتٌ وضرباتٌ وإعادةُ حاكم، لا سلالةٌ تُزرع.
وينبغي أن يُقال بصراحة ما هو أعمّ من ذلك: ليس في هذا كلِّه — لا عند العرب ولا عند الصينيين ولا في نقوش الشولا — كلمةٌ واحدة عن أصل ملوك قِدَح. وهؤلاء لم يُسألوا هذا السؤال ولم يخطر لهم. وإنّما ذكروها لأنّهم احتاجوا إليها: تاجرًا يمرّ بها، أو راهبًا ينتظر فيها سفينة، أو ملكًا أراد أن يأخذ مضيقًا. فشهادتهم على وجودها لا على نشأتها؛ وهي على ما هي عليه أثمنُ من دعوى النسب، لأنّها لم تُكتب لتُثبت شيئًا لأحد.
سابعًا: فمتى ابتدأت السلطنة؟
أمّا السلطنة بمعناها الاصطلاحي — أي دولةً إسلاميةً يحكمها سلطانٌ مسلم — فتبتدئ في المشهور عند أهل قِدَح سنة ١١٣٦ للميلاد، حين أسلم ملكُها وتسمّى «السلطان مُظفَّر شاه»، فحوّل مملكته الهندوسية إلى سلطنة. وقد مرّ بك أنّ الكتابين يختلفان في اسمه: فْرا أُونج مَهاوَنجسا عند الحكاية، ودِربار راجا الثاني عند السلاسلة.
وأمّا الذي تنسب إليه الروايةُ إسلامَ الحاكم فرجلٌ يُذكر في المصادر الملايوية باسم الشيخ عبد الله القُمَيري اليماني — والنسبتان له معًا لا لرجلين — ويُقال إنّه قدم من اليمن في نفرٍ من أصحابه. وثمّة روايةٌ آتشيهيةٌ تنقض هذا كلَّه، إذ تجعل إسلام حاكم قِدَح سنة ١٤٧٤ للميلاد؛ وهو تاريخٌ يبعُد عن ١١٣٦ بثلاثة قرونٍ ونصف، ويوافقه ما في «سُلالة السلاطين» من أنّ راجا قِدَح قدم على ملاقة في عهد آخر سلاطينها يطلب النَّوبة التي هي علامةُ سيادة الملك المسلم.
والذي يظهر أنّ سنة ١١٣٦ تاريخٌ تقليديٌّ متوارثٌ لا وثيقةَ تحته، وأنّ دخول الإسلام في قِدَح لم يكن حادثةً واحدةً في يومٍ واحد كما تصوّرها الحكاية، وإنما كان تسرُّبًا بطيئًا سبق إسلامَ القصر بقرون. ويُذكر في الأدبيات الماليزية شواهدُ إسلاميةٌ مبكّرة من قِدَح: أثرٌ حجريٌّ منسوبٌ إلى سنة ٢١٤ للهجرة، وشاهدُ قبرٍ من كامبونج تانجونج إنجريس قرب بلدة لانجار نُسب إلى الشيخ عبد القادر بن الشيخ حسين شاه عالم وأُرِّخ بسنة ٢٩١ للهجرة. على أنّ توثيق الأثرين — ولا سيّما الثاني — لا يبلغ من القوّة ما يجعل تأريخهما محسومًا؛ فأقدمُ إحالةٍ إلى الثاني عند وان حسين أزمي سنة ١٩٨٠، في ثلاث جملٍ لم يذكر فيها مصدره ولا تفاصيله. فإن صحّ التأريخان دلّا على حضورٍ إسلاميٍّ في مرافئ قِدَح قبل التاريخ التقليديّ لإسلام قصرها بقرون؛ وهذا شأنُ الإسلام في هذه البلاد كلِّها: يدخلها من باب الميناء لا من باب القصر، ثم يبلغ القصرَ في آخر الأمر.
ثامنًا: من يملك أن يقول كيف بدأت؟
وإذا جمعتَ ما تقدّم وقعتَ على مفارقةٍ هي — في ظنّي — خلاصةُ الباب كلِّه: أنّ الذي يزعم المعرفة ههنا هو الذي لا سبيل إلى التحقّق منه، وأنّ الذي يمكن التحقّق منه لا يزعم المعرفة.
فالكتابان اللذان يقولان لك من أين جاء أوّل الملوك كُتبا بعده بقرون، وكُتبا في القصر، ولمقصدٍ ليس خافيًا؛ ولذلك لم يتّفقا. وأمّا التراب والجغرافيون والنقوش، وهي التي بقي منها ما يُمسَك باليد ويُؤرَّخ ويُراجَع، فلم يُسأل واحدٌ منها هذا السؤال، ولو سُئل ما أجاب. فالسؤال نفسه سؤالُ قصرٍ لا سؤالُ ميناء.
والذي أذهب إليه أنّ قِدَح لم تُؤسَّس، وإنّما نمت. كانت أرضًا يجتمع فيها الحديدُ والريحُ والجبلُ والمرسى، فاجتمع عندها الناس؛ فلمّا اجتمع الناس صار لهم رئيس، ولمّا كثُر المالُ صار للرئيس جيشٌ وحصن، ولمّا جاء الإسلام صار السلطانُ سلطانًا. والذي له تاريخٌ محدَّدٌ هو السلطنة لا البلد؛ فالسلطنةُ تبتدئ في ١١٣٦ على التقليد المتوارث، وأمّا قِدَح نفسُها فتبتدئ حيث ينقطع الخبرُ ويبتدئ التراب.
وإنّما كُتب النسبان ليُجيبا عن سؤالٍ لم يكن التاريخُ قادرًا على الإجابة عنه؛ وليس ذلك عيبًا في الأمم، فما من أمّةٍ إلّا ولها في أوّل كتابها صفحةٌ من الشِّعر قبل أن تبتدئ صفحاتُ النثر.
خاتمة
ولا يزال جبلُ جيراي قائمًا حيث كان، يراه الملّاحون من البحر كما رآه من قصدوا هذا الساحل قبل قرون، ويمرّ بسفحه اليوم طريقٌ سريعٌ وسِكّةُ حديد. وتحت هذا السفح مشاغلُ حديدٍ مدفونةٌ يبلغ عمرُها خمسةَ عشرَ قرنًا أو يزيد، ومعابدُ مهجورة، وحجرٌ منقوشٌ وشاهدُ قبرٍ يُقال إنّهما سبقا إسلامَ صاحب القصر بقرون. وفي المتحف — وقد كان قصرًا — لوحةٌ فيها طائرٌ يهاجم سفينة.
واللوحةُ معلّقةٌ حيث تُرى، والمشاغلُ مدفونةٌ حيث لا تُرى. وأيسرُ الجوابين إلى النظر ليس أوثقَهما.
سفر اليماني
ثبتٌ مختصر
- — «حكاية ميرونج مهاونجسا» (سِجِلّات قِدَح) — ومنها متنُ الأسطورة كلُّه.
- — «التاريخ سلاسلة نيغري قِدَح»، مخطوطةُ محمد حسن بن محمد أرشد المفروغ منها في مطلع سنة ١٩٢٧، وسِجِلُّها في برنامج ذاكرة العالم — ومنها أنّ أوّل ملوك قِدَح عنده مهاراجا دِربار راجا من فارس بلا تاريخٍ لقدومه ولا ذكرٍ لمصدر الخبر، وأنّ الملك الذي أسلم تاسعُ الملوك مع تسمية ثمانيةٍ قبله بلا تواريخ، وأنّ اسمه دِربار راجا الثاني لا فْرا أُونج مَهاوَنجسا، وأنّ أوّل تاريخٍ صريح في الكتاب كلِّه هو ٥٣١ للهجرة.
- — Nasha Rodziadi Khaw وMokhtar Saidin وMohd Hasfarisham Abd Halim، «The Sungai Batu Archaeological Complex: Re-assessing the Emergence of Ancient Kedah»، في Kajian Malaysia سنة ٢٠٢١ — ومنه النموذجُ الزمنيّ لموقع SB2H: استبعادُ أربع عيّنات، وشذوذُ العيّنة Beta-516413 لانقطاع الشواهد بين القرن السادس قبل الميلاد والقرن الثاني بعده، وتقديرُ نشاط الموقع بين القرن الثاني والثامن للميلاد، والحاجةُ إلى عيّناتٍ من الطبقات السفلى.
- — دراسةُ العمران في مجمّع سونجاي باتو المنشورة سنة ٢٠٢٣ — ومنها مدى العيّنة Beta-516413 بين ٧٨٨ و٥٣٧ قبل الميلاد باحتمال ٩٥٫٤٪، وتأريخُ آجُرّ منشآت الرصيف بالتنبيه الضوئي. ومراجعةُ «The Sungai Batu Conundrum» — ومنها تحفُّظُ جون مِكسيك وتشارلز هايام على البناء على تأريخٍ مفردٍ أو عيّنةٍ شاذّة.
- — Alastair Lamb، بحثُه المنشور في مجلّة الفرع الماليزي للجمعية الملكية الآسيوية سنة ١٩٦٤ — ومنه أنّ موقعَي بنكالان بوجانج وكو كو خاو عند تاكوابا يصلحان معًا لأن يكون أحدهما كَلَه، وأنّ في كليهما فَخّارًا شرق أوسطيًّا.
- — S. Q. Fatimi, “In Quest of Kalah” — ومنه أنّ المسألة متنازَعةٌ منذ سنة ١٧١٨، وتقلُّبُ الترجيحات فيها بين مالابار وكورومندل وغالّه ثم قِدَح.
- — رسالة الكِندي «في السيوف وأجناسها» المكتوبة للمعتصم، بترجمة هويلاند وجِلمور — ومنها ترتيبُ السيوف العتيقة: اليماني ثم القَلَعي ثم الهندي.
- — نقشُ راجندرا الأوّل في معبد تانجور المؤرَّخ بسنة ١٠٣٠ للميلاد، ونقشُ فيراراجندرا من سنته السابعة، في النصوص المنشورة والمترجَمة — ومنهما أسرُ سنجراما فيجايوتّونجافارمان ملكِ كَدارام وأخذُ الكنوز وبوّابة الحرب المرصّعة، ثم فتحُ كَدارام في سنته السابعة وتسليمُها إلى الملك الذي طلب مساعدته، وفي العبارة قراءةٌ أخرى عند المحقّقين.
- — Maziar Mozaffari Falarti, Malay Kingship in Kedah: Religion, Trade and Society — ومنه خبرُ الشاهدين الإسلاميَّين المبكّرين في قِدَح: أثرٌ منسوبٌ إلى سنة ٢١٤ للهجرة، وشاهدُ قبر الشيخ عبد القادر بن الشيخ حسين شاه عالم المنسوب إلى سنة ٢٩١؛ وأنّ أقدم إحالةٍ إلى الثاني عند وان حسين أزمي سنة ١٩٨٠ في ثلاث جملٍ بلا مصدرٍ ولا تفصيل — وعليه فتأريخُ الأثرين غيرُ محسوم.
الصورة الافتتاحية: جبل جيراي كما يبدو من جورج تاون، بينانج، ٦ ديسمبر ٢٠٢٤. تصوير HundenvonPenang، عبر Wikimedia Commons، بترخيص CC BY-SA 4.0.
تنبيه: الرقمُ ٧٨٨ قبل الميلاد شائعٌ في الصحافة منسوبًا إلى سونجاي باتو، وهو طرفُ مدًى لا تاريخٌ مفرد، وقد أثبتُّه على وجهه. ومطابقةُ «كَلَه» و«كَه-تشا» بقِدَح ترجيحٌ لا يقين، وقد أُثبتت في المتن على هذا الوجه. وما نُقل من الكتابين البلاطيّين فمذكورٌ بوصفه دعوى نسبٍ لا خبرًا، ولا يُبنى عليه حكمٌ تاريخي.
سفر اليماني

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.