تأملاتٌ وظنون

الصورةُ التي لم يرَها أحد

صورة مولّدة تعبيرًا عن حالنا مع الصور المؤرشفة

في هاتفي آلافُ الصور. لا أعرف عددها على وجه التحقيق، ولا أظنّ أحدًا يعرف عدد صوره. وأكثرُها لم يُفتح بعد يوم التقاطه، وكثيرٌ منها لم يُفتح أصلًا.

وأعجبُ ما فيها أنّي أعرف هذا وأستمرّ.

فإذا رأيتُ منظرًا يعجبني رفعتُ الهاتف، ثم لم أرضَ بواحدة فأخذتُ عشرًا لا يفرّق بينها إلا مقدارُ ما مالت به يدي. ثم أنصرف وقد اطمأنّت نفسي: قد حفظتُه. ثم لا أعود إليه.

وكان لأبي في بيتنا علبةٌ صغيرة فيها صور العمر كلّه: صورةُ عرسه، وصورةٌ في رحلةٍ واحدة، وصورةُ أخي يوم دخل المدرسة، وصورٌ تُعدّ على الأصابع. وكانت الصورة يومئذٍ تكلّف مالًا؛ فالفيلمُ ستٌّ وثلاثون لا تزيد، ثم تُحمَل إلى الاستوديو، ثم تنتظر أيامًا لا تدري أخرجت جيّدةً أم ذهبت هباء. فكنّا ننظر إليها مرّاتٍ لا تُحصى؛ نأخذها من العلبة وننظر ونعيدها، ثم نأخذها بعد شهرٍ وننظر.

فصارت العلبةُ الصغيرة تُرى مئةَ مرّة، وصار هاتفي الذي فيه آلافٌ لا يُرى مرّة. وكلّما رخُصت الصورة قلّ النظر إليها، حتى بلغنا حالًا عجيبة: أرشيفٌ ضخم، وذاكرةٌ أرقّ مما كانت.

ثم إنّ في الأمر ما هو أدقّ من ذلك. فأنا حين أرفع الهاتف أخرج من المشهد. أصير رجلًا يرتّب الإطار ويختار الزاوية وينتظر أن يمرّ المارّ، والغروبُ الذي وقفتُ من أجله يمضي وأنا مشغولٌ بحفظه. وقد يقف بجانبي رجلٌ لا يصوّر، فيرى ما لم أره، ثم ننصرف: هو ومعه المنظر، وأنا ومعي أربعون صورةً لن أفتحها.

وقد صار التصويرُ عندي عهدًا أقطعه على نفسي: سأعود إلى هذا. ثم لا أعود. وليس في هذا كذبٌ على أحد، وإنّما هو تأجيلٌ لا آخِرَ له؛ كالكتاب يُشترى فيوضع على الرفّ، فيُطمئن صاحبَه أنّه قرأه.

وأطرفُ ما في الباب أنّ الصور التي أفتحها فعلًا ليست هي التي تعبتُ فيها. إنّما هي صورةُ ورقةٍ صوّرتُها لئلّا أنساها، أو موضعُ سيارةٍ في مَرآبٍ كثير الطوابق، أو صفحةٌ من كتابٍ لم أستطع حملَه. هذه أفتحها في يومها ثم أحذفها، وهي وحدها التي أدّت ما التُقطت له. أمّا الغروب فباقٍ في مكانه لا يسأل عنه أحد.

فإذا امتلأ الجهاز جاءني تنبيهٌ يقول: لم يبقَ موضع. فأجلس أحذف — لا الصورَ التي لن أراها، فتلك يشقّ عليّ حذفُها، بل صورًا أخرى مثلها — حتى أُفرج مكانًا لصورٍ جديدةٍ لن أراها أيضًا. وهذا عملٌ لا يُشبهه شيءٌ إلا نقلُ الترابِ من حفرةٍ إلى حفرة.

ولستُ أدري لماذا لا أتوقّف. ولعلّ في الأمر شيئًا أرقّ من الغفلة: أنّ المرء يريد دليلًا على أنّه كان هناك. لا ليَنظر إليه، بل ليعلم أنّه موجود. ولو سُئلتُ: ألن تفتحها؟ لقلتُ: لا. ولو سُئلتُ: أتحذفها؟ لقلتُ: لا. وبين الجوابين تقوم هذه الآلاف، لا تُرى ولا تُمحى.

وسيأتي يومٌ يُفتح فيه هذا كلُّه أو لا يُفتح؛ ولستُ أنا الذي يقرّر ذلك. وأحسبُ أنّي لو استطعتُ أن أختار، لاخترتُ أن يبقى منّي ما بقي من أبي: علبةٌ صغيرة فيها عشرون صورة، يعرف من ينظر فيها لماذا اختيرت.

سفر اليماني

شارك المقال:
التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.