في أنّ لكلّ موضعٍ خبرًا، ولكلّ خبرٍ من يرويه
في الحادي والثلاثين من أغسطس من كلّ عام تقف هذه البلاد وقفةً تحكي فيها لنفسها قصّتها في جملةٍ واحدة: كنّا مستعمَرين، فصِرنا أحرارًا. وهي جملةٌ صادقة، ويحقّ لأهلها أن يفرحوا بها. غير أنّ الأمم لا تسعها جملةٌ واحدة.
وتحت هذه الجملة تاريخٌ لا يدخل فيها: إماراتٌ قامت ثم سقطت قبل أن يأتي المستعمِر بقرن، وحروبٌ أهليةٌ لم يُشعلها أجنبيّ، ومدنٌ بناها مهاجرون من أربع جهاتٍ من الأرض ثم اختلف أبناؤهم على نسبتها، وحصونٌ ابتلعتها الغابةُ فلم يبقَ منها إلّا خندق، وبحيراتٌ يقول أهلُها إنّ تحتها مدينةً غارقةً وفي مائها ثُعبان.
وهذه السلسلةُ لهذا الذي لا يدخل في الجملة الواحدة.
من يكتب، ولماذا
يكتبها رجلٌ عربيٌّ مقيمٌ في هذه البلاد، لا هو منها فيكتب عنها كتابةَ الوارث، ولا هو عابرٌ فيها فيكتب كتابةَ السائح. وربما كان في هذا الموضع بين المنزلتين ما ينفع؛ فإنّ ابن البلد يمرّ على العجيب فلا يراه لأنّه ألِفه، والسائحَ يرى الظاهر ولا يسأل عمّا تحته.
على أنّ الأمر أبعدُ من ذلك. فليس كلامُ العربيّ عن بلاد الملايو أمرًا مستحدَثًا ولا طُرفةً في هذا العصر؛ وإنّما هو استئنافُ حديثٍ قديمٍ انقطع. فقد وصف جغرافيّونا هذه السواحل من القرن الثالث الهجريّ، من ابن خُرداذبه إلى الإدريسيّ. بل دخل اسمُ مرفأٍ من مرافئها في لسان العرب حتى صار وصفًا للحديد الجيّد والرصاص الجيّد، فقالوا: السيفُ القَلَعيّ، ولا يزال أهلُ لساننا يقولونها ولا يدرون من أين جاءت. ثم لم ينقطع الأمرُ عند التجارة: فعلى عروش هذه البلاد بيوتٌ من ذرّية حضرموت لا تزال قائمة. وقاتل في حروب سلانجور رجالٌ من نسل المهاجرين العرب.
فبيننا وبين هذه الأرض حبلٌ قديمٌ لم ينقطع، وإنّما نسيناه. وأحسنُ ما يُصنع بالحبل المنسيّ أن يُتتبّع.
ما هذه السلسلة
طريقتُها واحدة، وهي في جملة: نبتدئ من موضعٍ يمرّ به الناس اليوم فلا يقفون، ثم نسأل: ما الذي كان ههنا قبل أن يصير ما هو عليه؟
طريقٌ سريعٌ بين مدينتين، تحته مناجم. ومستنقعٌ على قارعة الطريق، كان مرفأً ترسو فيه عشرون سفينة. وملتقى نهرَين موحلَين في وسط عاصمةٍ، يمرّ به ألوفٌ كلَّ صباحٍ وهم لا يعلمون أنّهم يقفون على أوّل شِبرٍ منها. وأرضٌ مسوَّرةٌ تنبت فيها الأشجار من بين الأسمنت، كانت مدينةَ ملاهٍ يقصدها الناس بأطفالهم. وبحيرةٌ يقصدها المصوّرون، لأهلها فيها حكايةٌ يروونها من قبل أن تُخترع الكاميرا.
فالمقصود ليس تعدادَ الوقائع والتواريخ — فهذه في الكتب — وإنّما أن يُقرأ التاريخ حكايةً لها أشخاصٌ وصراعٌ وعبرة، وأن يخرج القارئ وقد صار المكانُ الذي يمرّ به مكانًا آخر.
وما ليست
ليست دليلًا سياحيًّا. ولن أكتب لكم أين تأكلون ولا كم تدفعون.
وليست كتابًا مدرسيًّا. فالكتب المدرسية — في كلّ بلاد الدنيا لا في هذه وحدها — مضطرّةٌ أن تختار من كلّ حادثةٍ روايةً واحدةً تُعلَّم للصبيان، وأنا غيرُ مضطرّ. فحيث تختلف الروايات سأعرضها كما هي، وأقول للقارئ: هذا ما تقوله هذه الجهة، وهذا ما تقوله تلك، وهذا الذي يظهر لي وأنت أعلمُ بنفسك.
وليست تمجيدًا لأحد ولا هجاءً لأحد. وفي هذه البلاد أقوامٌ كثيرة، ولكلّ قومٍ روايتُهم عمّن بنى وعمّن هدم. وأنا لا أدخل في هذه الخصومة بقلبي، وإنّما أنقلها بقلمي.
ولن تكون تاريخًا فقط
فإنّ من الأماكن ما لا يُفهم بالوثائق وحدها. وثمّة صنفان يستحقّان الدخول في هذه الحكايات:
أوّلهما ما هو أقربُ من التاريخ: أشياءُ ماتت في حياة من يقرأ. مدينةُ ملاهٍ فُتحت في السبعينيات فكانت أعجوبةَ زمانها، ثم أُغلقت وابتلعها النبات، فصارت أطلالُها اليوم مقصدَ المتسلّلين والمصوّرين. وهذه ليست أقلَّ دلالةً من حصنٍ عمرُه قرنان؛ بل هي أشدُّ وقعًا، لأنّ في الناس من يذكر أنّه سبح في مسبحها.
وثانيهما ما هو أبعدُ من التاريخ: ما تحفظه الألسنة ولا تحفظه الوثائق. بحيرةٌ في باهانج يقول أهلُها إنّ تحتها مدينةً غارقةً وإنّ في مائها ثعبانًا يحرسها. وجبلٌ في قِدَح يقولون إنّ سفينةً رست عليه. وملكٌ نبت له نابان لأنّه أدمن الدم.
ولستُ أروي هذه لأقول للقارئ إنّها وقعت، ولا لأسخر ممّن يرويها. وإنّما أرويها لأنّ الحكاية التي يحفظها قومٌ ألفَ سنةٍ تدلّ عليهم دلالةً لا تدلّها الوثيقة: تدلّ على ما كانوا يخافون، وما كانوا يعدّونه عدلًا وجَورًا، وكيف كانوا يفسّرون ما لا يُفسَّر. فإذا جاءت الأسطورةُ في هذه الصفحات جاءت بوصفها أسطورة، مذكورًا معها ما تقوله الوثيقةُ إن كانت ثمّ وثيقة؛ ثم نسأل السؤال الأنفع: لماذا حفظ الناسُ هذه بالذات؟
العهد مع القارئ
وأمّا الدقّة فأعِدُ فيها بأربع:
أن أنسب كلَّ دعوى إلى صاحبها، فأقول: يقول فلان، وترى هذه الجهة؛ ولا أُلبس رأيي ثوبَ الخبر.
وأن أذكر الخلاف حيث يقع، ولا أُخفي روايةً لأنّها تُفسد استقامة القصّة.
وأن أذكر مصادر الحكاية في آخرها، وأن أُبيّن ما لم أستوثق منه.
وأن أرجع عن الخطأ متى تبيّن لي، وأن أُصلحه علانيةً لا في صمت. ولستُ أقول هذه الأخيرة تواضعًا؛ فإنّي في أثناء الإعداد لهذه الحكايات وقفتُ على أوهامٍ متواترةٍ في مصادرَ يُعتمد عليها: أرقامُ حادثةٍ نُسبت إلى حادثةٍ أخرى وقعت قبلها بستّ سنين في مكانٍ آخر، ونسبُ رجلٍ يُذكر في موضعين على وجهين متناقضين، ومنتصرٌ في معركةٍ لم تقع. ومن يكتب في هذا الباب واقعٌ في مثله لا محالة، وأنا منهم؛ وإنّما الشأن فيما يصنعه الكاتبُ إذا انكشف له.
وبعد
فإنّ الجملة التي تقولها هذه البلاد لنفسها في هذا اليوم جملةُ حقّ، ولكنّ تحتها حواشيَ لا تُحصى. وفي هذه الأرض ألوفُ المواضع يمرّ بها الناس كلَّ يومٍ فلا يقفون، وليس عليها ما يدعو إلى الوقوف: نهرٌ موحل، ومستنقعٌ على قارعة طريق، وتلٌّ عليه خندقٌ فارغ، وسورٌ وراءه بناءٌ مهجور، وبحيرةٌ ساكنةٌ يُقال إنّ تحتها ما تحتها.
وهذه السلسلةُ لوحاتٌ صغيرةٌ أُعلّقها على أماكنَ ليس عليها لوحات، أكتبُ منها واحدةً في الأسبوع ما استطعت.
فإن وقف القارئ عند واحدةٍ منها فقرأ، ثم مرّ بالموضع بعد ذلك فتذكّر — فقد بلغَت الحكايةُ ما أردتُ لها، ولم أرِد أكثر.
«حكايات من بلاد الملايو» — مدوّنة سفر اليماني
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.