| ملتقى نهرَي كلانج وغومباك عند مسجد جامك. ههنا وقف القاربُ سنة ١٨٥٧ فنزل القومُ واتّخذوا الموضعَ مَرْسًى — وههنا صار اسمُ المدينة. |
تمهيدٌ في المدينة
عند الحديث عن ماليزيا فحقٌّ على المتكلم أن يبدأ بكوالالمبور؛ فهي عاصمةُ هذا القُطر وكُبرى مدنه. ولمّا كانت مدينةً حديثةَ النشأة نسبيًّا، بقي تاريخها محفوظًا مقيَّدًا في السجلات، فأمكن تتبُّعُ أمرها من غابةٍ قائمةٍ على ملتقى نهري «غومباك» و«كلانج» إلى مدينةٍ من أعظم مدن العالم الحديث، تعجُّ بالأسواق والمصانع والمعامل. ومع هذا كلِّه فقد بقيت محتفظةً بمساحاتها الخضراء وأشجارها العملاقة القائمة في شوارعها، فأحدثت ذلك المزيج البديع بين الطبيعة والبنيان؛ فقصدها السُّيَّاح من أرجاء المعمورة، فانتعشت وكبرت حتى ابتلعت ما حولها من القرى والمدن، وصار وادي كلانج كلُّه يُدعى باسمها.
وحيث إنّ كثيرًا ممّن زار هذه المدينة لم يقرأ تاريخها ولم يعرف حكاية نشأتها، رأيتُ أن أكتب قصة تأسيسها موجزةً جامعةً، تشتمل على أعظم ما مرَّ بها من الأحداث، منذ كانت غابةً استوائيةً كسائر أرض الملايو، إلى أن صارت إلى ما صارت إليه. وليس في الأمر ما يُستغرب؛ فإنّ المدن الكبار لا تنبت في الأرض نباتَ الشجر، وإنما تنشأ من طمعٍ وحاجةٍ وحديدٍ ودم، ثم يأتي المؤرخون من بعدُ فيُلبسونها ثوبَ القَدَر ويلتمسون لها أبًا واحدًا تُنسب إليه. وسيرى القارئ في آخر هذه الحكاية أنّ لكوالالمبور آباءً لا أبًا، وأنّ الخصومة في تعيين واحدٍ منهم أطولُ عمرًا من الخصومة على الأرض نفسها.
أوّلًا: الذهب الأبيض
حكايةُ كوالالمبور تبتدئ في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. كان القصديرُ في تلك الحقبة عِمادَ الاقتصاد، وكانوا يسمّونه «الذهب الأبيض» لشدة الرغبة فيه؛ إذ قامت عليه صناعةُ الصفيح وحفظُ الأطعمة في العُلَب، وهي صناعةٌ فتحت للثورة الصناعية في أوروبا بابًا واسعًا. وكانت بلادُ الملايو من أغنى بلاد الأرض بهذا المعدن النفيس المكمون في باطن الأرض.
فلمّا أفشتِ الأرضُ سرَّها، تهافت الطامعون اللاهثون نحو الثراء على البلدان الغنيّة به كأسرابٍ من الطير المهاجر. وسُمِّيت تلك الفترة «حُمّى القصدير»، وهو وصفٌ يُصوِّر حال الألوف الذين هجروا أوطانهم وأهاليهم في طلب هذا المعدن، فشقّوا الجبال، واقتلعوا الغابات، وأنشأوا المدن والساحات، وازدهرت بهم بلدانٌ لم تكن شيئًا مذكورًا. جاء منهم الصينيون من جنوب الصين، يدخلون هذه البلاد من مرافئ ملقا وسنغافورة حيث يتعاقدون مع أرباب المناجم؛ وجاء منهم أهل سومطرة من «الماندايلينج» و«الراوا» فرارًا من حروب البادري ودمارها؛ وجاء البوغيسيون من رياو تجّارًا وأمراء. ثم مضت السنون فرخُص سعر القصدير ولم يعد مُجديًا كسابق عهده، فهجره الناس؛ وبقيت النُّدوب في الجبال شاهدةً على تلك الحقبة، وبقيت المدن التي بُنيت على استخراجه وتجارته، وأبرزُها كوالالمبور.
ثانيًا: مقدّمة الحكاية — دماء لوكوت
ولا تستقيم حكايةُ كوالالمبور إلّا أن نبتدئ من «لوكوت»؛ فهي المدرسة التي تخرّج فيها مؤسّسوها، وهي العِبرة التي لم يتعلّمها أحد. ولوكوت في نفسها حكايةٌ تستحقّ أن تُفرد بمقال؛ فحسبُنا منها ههنا ما يُفهَم به ما بعدها.
كانت سلانجور في ذلك العهد ولايةً مفكَّكةً، قد انقسمت إلى خمس مقاطعاتٍ نهريةٍ بأيدي أبناء البيت المالك وأقاربه — برنام، وكوالا سلانجور، وكلانج، ولانجات، ولوكوت — لا يكاد السلطان يضبط أصحابها. وكانت لوكوت — وهي اليوم من ضواحي بورت ديكسون في ولاية نيغري سمبيلان — مرفأً يخرج منه قصديرُ المناجم التي في أعالي تلك البلاد. وفي نحو سنة ١٨١٥ نزل بها أميرٌ من ذلك البيت البوغيسيّ هو راجا حسن بن راجا مودا نالا، ابنُ عمّ السلطان محمد شاه، وغلب عليه لقبُ «راجا بوسو»؛ و«بونجسو» في لسان الملايو: الأصغر. جاء معه أتباعٌ من سلانجور وقِدَح وغيرهما، وحكم لوكوت حكمًا يكاد يكون مستقلًّا، واستقدم الصينيين لاستخراج المعدن. حتى إذا كانت سنة ١٨١٨ كان أهلُها قد بلغوا نحو الألف، خُمسُهم من الصينيين. فلمّا رأى هذه الوفرة رفع ما يأخذه حتى بلغ العُشر من كلّ قصديرٍ يُصدَّر.
فأوغرت هذه الزيادةُ صدورَ الصينيين العاملين في المناجم، وصدورَ تجّارٍ من ملقا كانوا هم المموّلين لأولئك العمّال؛ ويضيف غوليك سببًا يراه محتملًا، وهو أنّ راجا بوسو أخذ يتولّى إدارة المناجم كلَّها بنفسه. وفي ليلةٍ مظلمةٍ ماطرةٍ من سبتمبر سنة ١٨٣٤ — والخبرُ في تفصيله عن غوليك — جاء إلى داره ثلاثمئةٍ أو أربعمئةٍ منهم، فزادهم غيظًا أن وجدوا الدار محفوفةً بالخام المستخرَج من كلّ صنف. فدعَوه أن يخرج فيفاوضهم في مظالمهم، وإلّا أحرقوا عليه بيته. فأجابهم جوابَ المتحدّي: إنّ المسلم الصادق لا يخاف الموت، فافعلوا أسوأ ما عندكم. فأخذوه بكلمته وأضرموا النار في الدار، فما نجا من أهله أحد. ثم أحرقوا دورَ غيره من أرباب العمل الملايويين وقتلوهم قتلًا لا يُميّزون فيه بين أحد. فلمّا خرجوا هاربين نحو حدود ملقا الخاضعة للإنجليز، كمَن لهم من بقي من الملايو فأوقعوا بهم. وتُركت مناجم لوكوت خرابًا حينًا من الدهر.
ثم جاءها السلطان محمد شاه بنفسه سنة ١٨٣٦ فأكّد أنّ لوكوت من أرض سلانجور. وفي الأعوام التالية قدم إليها رجلٌ من أشراف البوغيس الرياوّيين هو راجا جعفر — ويُعرف بـ«راجا جعفر لوكوت» تمييزًا له عن راجا جعفر الرياوي الآخر ابن راجا حاجي في سبيل الله — ومعه ابناه راجا جمعة وراجا عبد الله، فأعادوا مناجمها إلى العمل. وراجا جعفر لوكوت هذا هو ابنُ راجا علي «يانج دي بِرتوان مودا» رياو الخامس، ابنِ دايِنج كمبوجا الثالث؛ ومات في لوكوت نحو سنة ١٨٤٥. وكان ابنه راجا جمعة قد ضمن دَين السلطان محمد شاه سنة ١٨٣٩، فتزوّج ابنة السلطان تنكو سيناي؛ ثم ضمنه مرةً أخرى سنة ١٨٤٦، فأقطعه السلطان لوكوت له ولورثته وخلع عليه لقب «راجا توا».
ومنذ ذلك الحين أحسن راجا جمعة سياسةَ لوكوت إحسانًا يُذكر: بنى سنة ١٨٤٧ «كوتا لوكوت» — حصنَها — على تلٍّ يشرف على النهر، وأنشأ شرطةً من اثنين وعشرين رجلًا يلبسون الزيّ وعلى قبّعاتهم أرقام، وقامت في بلدته صفّان من الحوانيت الآجُرّية تزيد على الأربعين. حتى إذا زارها الكابتن ماكفرسون سنة ١٨٦٠ كتب أنّها تُقارَن بأيّ مستوطنةٍ أوروبية: طرقُها مرصوفة، وحيُّ الصين فيها مبنيٌّ كلُّه بالآجُرّ والقرميد، ومخازنُ ضفّة النهر كبيرةٌ متينة.
فهذه هي المدرسة التي أعني. فإنّ الذي سيبعث عمّالَ المناجم إلى وادي كلانج هو راجا عبد الله بن راجا جعفر، أخو صاحب لوكوت؛ وقد رأى بعينه كيف يقوم بلدٌ على معدنٍ في باطن الأرض: مرفأً، وعُشرًا يُجبى، وحصنًا، وشرطةً، وحوانيتَ آجُرّ، ومالًا يأتي من تجّار ملقا. تعلّم هذا كلَّه فأحسن؛ وأمّا الدرسُ الآخر — أنّ ذلك كلَّه يُحرق في ليلةٍ واحدة — فلم يتعلّمه.
ثالثًا: البعثة — سنة ١٨٥٧
وكان السلطان محمد شاه قد أقطع وادي نهر كلانج سنة ١٨٣٩ ابنَه الأكبر راجا سليمان، ثم نقل حقَّ الولاية فيما بين سنتي ١٨٤٩ و١٨٥٠ إلى صهره راجا عبد الله بن راجا جعفر، أخي صاحب لوكوت. وظلّ راجا مهدي بن راجا سليمان يرى في ذلك سلبًا لحقّه في العُرف، فبقيت الحزازة كامنةً حتى انفجرت بعد سنين حربًا طاحنةً، على ما سيأتي. ولم يكن هذا الإقطاع أمرًا شاذًّا، وإنّما هو النظام الجاري في سلانجور يومئذٍ، وقد مرّ بك.
انتقل راجا عبد الله إلى كلانج، وبنى بها سنة ١٨٥٦ دارًا كبيرةً من طابقين على ضفة النهر، جعل أعلاها سكنًا لأهله، وأسفلها مخازنَ للقصدير وآلات التعدين والأرزّ والزيت وسائر ما يُمَوَّن به العملة؛ وهي التي تُعرف اليوم بـ«غيدونج راجا عبد الله» ولا تزال قائمةً تُزار.
وفي تلك السنة، سنة ١٨٥٧ للميلاد، أراد راجا عبد الله أن يبعث بعثةً من عمّال المناجم يستكشفون القصدير في أعالي وادي كلانج، فاستعان بأخيه صاحب لوكوت، فانتُدب من عمّال لوكوت سبعةٌ وثمانون رجلًا من الصينيين. ولمّا كانت النفقة تقتضي إطعامَ هؤلاء وكسوتَهم وتموينَهم ستةَ أشهرٍ أو نحوها ريثما يحفرون الحُفَر الواسعة حتى يبلغوا العروق، استسلف الأخوان ثلاثين ألف دولارٍ من تاجرَين صينيَّين من ملقا هما تشي يام تشوان وليم ساي هو. فكان تأسيسُ كوالالمبور — إن صحّ أن يُسمّى تأسيسًا — قرضًا تجاريًّا قبل أن يكون شيئًا آخر.
صعِد القومُ نهرَ كلانج حتى بلغوا ملتقاه بنهر غومباك، وعنده ينقطع الملاحُ فلا تمضي القوارب أبعدَ من ذلك، فنزلوا هناك واتّخذوا المكانَ مَرْسًى، ثمّ مشَوا على أقدامهم أميالًا في مسالك الغابة حتى بلغوا «أمبانج» فابتدأوا الحفر. فلم يمضِ شهرٌ حتى مات منهم — فيما تُجمع عليه الروايات التي حرّرها غوليك — تسعةٌ وستون رجلًا بحُمّى المستنقعات، وهي الملاريا؛ فبعث راجا عبد الله مئةً وخمسين رجلًا آخرين مكانهم. ثم خفَّ الموت شيئًا فشيئًا، وصُدِّر أوّلُ القصدير سنة ١٨٥٩. فاعلمْ أنّ أوّل الأرقام في هذه الحكاية لم يكن رقمَ أرباح، وإنّما كان تسعةً وستين رجلًا ماتوا في شهرٍ واحدٍ في حُفَر أمبانج، قبل أن يقوم عند الملتقى دُكّانٌ واحد.
رابعًا: في الاسم
و«كوالا» في لسان الملايو موضعُ مصبّ النهر أو فمُه حيث ينتهي إلى البحر أو إلى نهرٍ أكبر، و«لُمبور»: الطين. ومن هنا جاءت الترجمة الشائعة لاسم كوالالمبور بمعنى قريب من «ملتقى الوحل» عند التقاء غومباك بكلانج؛ غير أنّ أصل الاسم التاريخي أعقد من هذه الترجمة. فقد تنبّه ج. م. غوليك إلى أنّ عرف التسمية الملايوي كان يقتضي — لو كان الاسم مأخوذًا من ملتقى غومباك بكلانج — أن يكون «كوالا غومباك». وكان جون أندرسون قد سجّل سنة ١٨٢٤ اسم «سونغاي لُمبور» في هذه الناحية. ثم رجّحت دراسةٌ حديثة منشورة سنة ٢٠٢٥، بعد مقارنة الخرائط والنصوص وطبوغرافية المجاري المائية، أنّ اسم المدينة مشتقّ من مجرى مفقود كان يُسمّى «سونغاي لُمبور»، لا من مجرد وصف الملتقى نفسه بأنّه موحل.
ولستُ أذكر هذا من باب اللطائف اللغوية، وإنّما لأنّ الاسم يكشف شيئًا من طبيعة هذه البلاد. فقد كانت الأنهار طرقَ الناس، ومن ثمّ كثرت في الملايو الأسماءُ المبدوءة بـ«كوالا»: كوالا سلانجور، وكوالا كانجسار، وكوالا ترنغانو. فإن صحّ ترجيح «سونغاي لُمبور»، فالاسم في أصله اسمُ مجرى ومصبٍّ وطريق، لا اسمُ سلطانٍ ولا فاتح. أمّا ملتقى غومباك بكلانج فله قصته المستقلة: ففي سنة ١٨٥٧ كان هو الحدّ الذي لم تستطع القوارب الثقيلة تجاوزه، فنزل عنده عمّال البعثة واتّخذوه مَرْسًى قبل أن يمشوا إلى أمبانج.
ثم انظر في ثاني شطرَي الاسم. فليس في «الطين» شِعرٌ ولا مجدٌ ولا ذكرُ سلطانٍ ولا فتح. وسواءٌ كان «لُمبور» اسمَ ذلك المجرى المفقود أو وصفًا للأرض التي حملت اسمه، فإنّ اللفظ معروفٌ في السجل قبل أن تقوم سوق كوالالمبور نفسها. وهذا أجمل في الدلالة من حكاية اسمٍ اختاره مؤسّسٌ لمدينةٍ مقصودة: فقد ورثت العاصمة اسمًا عمليًّا متواضعًا من جغرافيةٍ أقدم منها، ثم كبرت حتى غلب اسمُها على الوادي كلّه.
خامسًا: من مَرْسًى إلى بلدة
على أنّ أعالي وادي كلانج لم تكن قَفْرًا يوم جاءت بعثة لوكوت. فالسومطريّون — ولا سيما الماندايلينج والراوا — كانوا قد استقرّوا في أعالي النهر وعملوا في التعدين والتجارة قبل بعثة سنة ١٨٥٧ بسنين، وترد آثارُ هذا الاستقرار في السجل منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر. ومن هؤلاء رجلٌ تاجرٌ مغامرٌ يُدعى سوتان بواسا، من أشراف الماندايلينج الذين هاجروا إلى الملايو في أعقاب حرب البادري في وسط سومطرة. وكان سوتان بواسا يُموّن مناجم أمبانج ويتّجر في القصدير ويستصلح الأرض للزراعة، حتى صار من أنجح التجّار غير الصينيين في تلك الناحية قبل الحرب الأهلية.
وفي سنة ١٨٥٩ ترك تاجران صينيان من أهل لوكوت — هما هيو سيو وشريكه آه سي، وكانا يملكان بها منجمًا — لوكوتَ وانتقلا إلى الملتقى، فأقاما هناك حوانيتهما في المكان الذي صار يُعرف بـ«ميدان باسار» أي ساحة السوق القديمة. ويذهب الباحث عبد الرزاق لوبيس إلى أنّ انتقالهما إنّما كان بمشورة سوتان بواسا الذي كان يبتاع منهما المؤن، وأنّ الموضع كان قبل ذلك مركزَ تجارةٍ ماندايلينجيًّا؛ وسيأتي بيان هذه الدعوى وما لها وما عليها. والذي لا خلاف فيه أنّ البلدة قامت من هذه العناصر الثلاثة: مناجمُ في أمبانج، وسوقٌ عند الملتقى، وطريقٌ بينهما. وصار هيو سيو أوّلَ «كابيتان» للصينيين في كوالالمبور، ثم خلفه ليو نغيم كونغ ثانيًا.
سادسًا: الحرب الأهلية — ١٨٦٦ إلى ١٨٧٤
ثم مات راجا جمعة صاحبُ لوكوت سنة ١٨٦٥ فذهب بموته أقوى سندٍ لراجا عبد الله. وفي سنة ١٨٦٦ أجّر راجا عبد الله جبايةَ كلانج لتاجرَين من مستوطنات المضيق، فلمّا خرجا يجبيان المكوس أنِف راجا مهدي أن يؤدّي المال إلى أجنبيَّين، وانبعثت الحزازة القديمة في أمر الميراث المسلوب، فحاصر حصنَ كلانج وأخذه. فانحاز راجا عبد الله إلى ملقا مغلوبًا مسلوبًا، ومات سنة ١٨٦٩ في عرض مضيق ملقا قبل أن تضع الحربُ أوزارها، ودُفن في «كتابانج» من أرض ملقا. وهكذا قضى الرجلُ الذي تُنسب إليه المدينةُ في كتب المدارس، ولم يرَ من مدينته إلّا سوقًا صغيرًا لم يسكنه قطّ.
ثم استقرّت الحربُ على حِلفين؛ فمن أراد أن يمسك خيطها فليمسك هذين. أمّا الأوّل فيقوم على أميرٍ من قدح يُدعى تنكو ضياء الدين — والمشهور بـ«تنكو كودين» — تزوّج في بيت سلانجور المالك، فولّاه صهرُه السلطان عبد الصمد في السادس والعشرين من يونيو سنة ١٨٦٨ «وكيلَ يمتوان سلانجور» أي نائبًا عنه وحكَمًا بين المتنازعَين. وعاد كودين من قِدَح في سنة ١٨٦٩ ومعه نحو خمسمئة من أتباعه، ثم أعاد السلطان توليتَه في الثاني والعشرين من يوليو سنة ١٨٧١، وسلّمه مقاطعة لانجات لينفق من دخلها على الحرب. ومعه ابنُ راجا عبد الله يطلب ميراث أبيه. وأمّا الثاني فيقوم على راجا مهدي، وقد ردَّ الوساطة وأبى الحُكم.
واختلط في هذين الحِلفين ما لا يختلط: أمراءُ البوغيس، والسومطريّون الماندايلينج — وفيهم سوتان بواسا نفسه، وقد قاتل في صفّ خصوم كودين — وجمعيّتان صينيّتان سرّيّتان هما «الهاي سان» من الهكّا و«الغي هين» من الكانتونيين، وأربابُ المناجم، ومقاتلةٌ من باهانج، ورجلٌ من ذرّية العرب المهاجرين هو السيد مشهور بن السيد محمد الشهاب، وصار من أشدّ قادة راجا مهدي. واستعان تنكو كودين في مراحل لاحقة بضبّاطٍ ومرتزقةٍ أوروبيين من مستوطنات المضيق. فلم تكن هذه حربَ جنسٍ ضدّ جنس، وإنّما كانت حربَ مصالحَ تتقاطع فوق مناجم القصدير.
وكان ياب آه لوي قد صار «كابيتان» الصينيين الثالثَ في كوالالمبور سنة ١٨٦٨ بعد موت من قبله، فانحاز إلى تنكو كودين؛ فصارت البلدة بذلك هدفًا لخصومه، إذ كانت مصدر مالهم ورجالهم. ودارت الحربُ سِجالًا: أُخرج راجا مهدي من كلانج في مارس سنة ١٨٧٠، ثم هاجم الإنجليز كوالا سلانجور في يوليو سنة ١٨٧١ بحجّة أنّ القراصنة يأوون إليها، فأخذوها وسلّموها إلى تنكو كودين — وكانت تلك من أوائل مرات دخولهم هذا النزاع بالسلاح مباشرة. ثم كانت النكبة سنة ١٨٧٢، إذ زحف السيد مشهور ومعه صينيّو كانتشينج على كوالالمبور فأخذوها وأحرقوها حتى صارت أرضًا، وفرّ ياب آه لوي إلى كلانج، وخلت المناجم ووقفت التجارة. فجمع ياب نحو ألف رجل، واستنجد تنكو كودين ببندهارا باهانج وان أحمد، فدفع له بقوةٍ أماميةٍ قوامها نحو ألف رجل، وراءها احتياطٌ أكبر في بنتونغ، ثم توالت قوات باهانج إلى سلانجور. فاستُرِدّت كوالالمبور في مارس سنة ١٨٧٣، وفرّ السيد مشهور إلى بيراك. وخرجت البلادُ من الحرب مثخنةً مثقلةً بالدَّين، مضطربةً لا سلطان فيها لأحد؛ وفي هذا الاضطراب وجد الإنجليز حجّتهم. فكانت معاهدة بانكور في بيراك سنة ١٨٧٤ فاتحةَ نظام المقيمين البريطانيين، وامتدّ التدخّل في العام نفسه إلى سلانجور، حتى عُيّن أول مقيم بريطاني فيها رسميًّا في يناير سنة ١٨٧٥.
سابعًا: النهوض من الرماد
ولم يكن في القوم أصبرُ على البناء من ياب آه لوي. عاد سنة ١٨٧٣ إلى البلدة المحروقة فأقام سوقها من جديد، ونزح المناجم المغمورة بالماء وأعادها إلى العمل، واستدان وأقرض التجّار حتى يرجعوا، وأصلح الطريق بين الملتقى وأمبانج، وأطعم الناس في سِنيّ القحط حتى قامت كوالالمبور على قدميها. وفي سنة ١٨٨٠ نُقلت عاصمةُ سلانجور من كلانج إليها لموقعها من قلب البلاد ومن مناجمها.
ثم ابتُليت سنة ١٨٨١ بحريقٍ التهمها ثم بسيلٍ جرفها؛ إذ كانت بيوتُها من الخشب وسقوفُها من سعف «الأتّاب». فبدأت الإدارة في إعادة تنظيم البناء والتخطيط: أُلزم الناسُ ألّا يبنوا إلّا بالآجُرّ والقرميد، وشُقّت الشوارعُ على استقامة، ورُسمت الأحياء رسمًا جديدًا. ثم دفع فرانك سويتنهام هذه السياسة بقوّة بعد أن وليَ سلانجور سنة ١٨٨٢. ومُدّت سكةُ الحديد إلى كلانج سنة ١٨٨٦ فوصلت المدينةَ بالبحر. وفي سنة ١٨٩٦ صارت عاصمةَ «ولايات الملايو المتحدة»، ثم عاصمةَ اتحاد الملايو المستقل سنة ١٩٥٧، وعاصمةَ ماليزيا عند قيامها سنة ١٩٦٣.
وههنا مصادفةٌ من مصادفات التاريخ يحسُن التنبه لها. فإنّ بين نزول أولئك السبعة والثمانين عند الملتقى سنة ١٨٥٧، وبين ليلة الثلاثين على الحادي والثلاثين من أغسطس سنة ١٩٥٧ حين أُنزل العلم البريطاني ورُفع علم اتحاد الملايو في الميدان الذي يُعرف اليوم بميدان مرديكا، مئةَ سنةٍ لا تزيد ولا تنقص. والأعجبُ منها أنّ ذلك الميدان قائمٌ على ضفّة نهر كلانج، لا يبعد عن المَرْسى القديم إلّا قليلًا. فالمدينةُ التي بدأت قصتها الحديثة بقرضٍ من تاجرَين وحُمّى مستنقعاتٍ في أوّل تلك المئة، شهد قلبُها في آخرها رفعَ علم الدولة المستقلّة؛ أمّا إعلان الاستقلال الرسمي في صباح اليوم نفسه فكان في «استاد مرديكا».
ثامنًا: فمن المؤسّس؟
هذا هو السؤالُ الذي لأجله كُتبت هذه الحكاية، وهو سؤالٌ يُختصم فيه في ماليزيا إلى اليوم. غير أنّ الخصومة فيه لا تنحلّ إلّا بعد أن يُسأل سؤالٌ قبله، وهو الذي يُغفله المتخاصمون: ما المؤسّس؟
فإنّ اللفظ يحتمل خمسةَ معانٍ، وبكلٍّ منها يختلف الجواب اختلافًا تامًّا. إن أردنا مَن سبق بعثة سنة ١٨٥٧ إلى أعالي وادي كلانج، فالسومطريّون كانوا هناك قبلها. وإن أردنا مَن أرسل أولَ من حفر مناجم أمبانج وموّل الحفر، فهو راجا عبد الله. وإن أردنا مَن حوّل المَرْسى عند الملتقى إلى سوقٍ يقصده الناس، فالثابت في السجلّ هيو سيو وآه سي، ويضيف إليهما عبد الرزاق لوبيس سوتان بواسا ودورَه في اختيار الموضع. وإن أردنا مَن جعلها بلدةً وأعادها من رمادها، فهو ياب آه لوي. وإن أردنا مَن جعلها عاصمةً ومدينةً بالمعنى الحديث، فالإدارةُ البريطانية. فالمتخاصمون إذن لا يختلفون في الوقائع وحدها، وإنّما يختلفون — من حيث لا يشعرون — في تعريف كلمة.
بل إنّ في السؤال نفسه ما يستحقّ الوقوف. فإنّ طلب «مؤسّسٍ» لمدينةٍ عادةٌ حديثةٌ نشأت مع الدولة الحديثة، إذ احتاجت كلُّ عاصمةٍ إلى تاريخ ميلادٍ ورجلٍ يُنصب له تمثال. أمّا أهل القرن التاسع عشر الذين تخوّضوا في ذلك الوحل فلم يخطر لأحدٍ منهم أنّه يؤسّس شيئًا؛ إنّما كان يبحث عن عرقٍ من القصدير أو عن ربحٍ في دُكّان. فالمؤسّس مفهومٌ ألصقناه بالماضي من حاضرنا، ثم اختصمنا في تنزيله على أناسٍ لم يعرفوه. وهذه هي الأقوال الثلاثة المشهورة:
الفرقة الأولى تقول: المؤسّس راجا عبد الله بن راجا جعفر. وهذه هي الرواية الرسمية التي تقرؤها في مناهج التعليم وفي المواقع السياحية الحكومية، وحُجّتها أنّه صاحبُ الوادي وباعثُ البعثة ومموّلُها ومن أرسل المئةَ والخمسين حين مات الأوّلون. وثمّة روايةٌ رسميةٌ أخرى تُجاورها، إذ تنسب بوّابةُ حكومة سلانجور فتحَ مناجم أمبانج وبناءَ الحوانيت لحاجة العمّال إلى عهد السلطان محمد شاه نفسه، فتجعل الفضلَ للعرش لا لصاحب المقاطعة. غير أنّ الباحث ج. م. غوليك — وهو أوثقُ من كتب في تاريخ كوالالمبور المبكّر — يذكر أنّ الذي رافق العمّال في الرحلة الأولى إنما هو وكيلٌ ملايويٌّ عن حاكم كلانج، لا الحاكمُ نفسه؛ ولا دليل على أنّ راجا عبد الله وطئ أمبانج بقدمه، ولا أنّه سكن كوالالمبور يومًا. فهو مؤسّسٌ بالمال والأمر لا باليد والمقام؛ وهذا لا يُسقط دورَه، ولكنّه يحدّه.
والفرقة الثانية تقول: المؤسّس ياب آه لوي. وهذه رواية الصينيين، وهي أيضًا الرواية التي رسّخها الإنجليز؛ فإنّ سيرته كُتبت ونُشرت قبل الاستقلال ودخلت المناهج بغير مناقشة. وحُجّتها ظاهرة: هو الذي بنى المدينة وأعادها من رمادها مرّتين. لكنّه إنّما قدِم بعد قيام البلدة بعشر سنين؛ فهو بانيها لا مؤسّسها، والفرقُ بين الأمرين بيّن.
والفرقة الثالثة — وهي أحدثُها وأجرؤها — تقول: المؤسّس سوتان بواسا. وقد نصر هذا القولَ الباحث عبد الرزاق لوبيس في كتابٍ ضخمٍ أصدرته «أريكا بوكس» في بينانج سنة ٢٠١٨ بعنوان «سوتان بواسا: مؤسّس كوالالمبور»، وهو توسيعٌ لبحثٍ له نُشر سنة ٢٠١٣. ويرى لوبيس أنّ الملتقى كان قبل سنة ١٨٥٧ مركزَ تجارةٍ ماندايلينجيًّا يُسمّى «بانجكالان لُمبور»، يتحكّم في طرق البرّ والنهر إلى أعالي وادي كلانج، وأنّ سوتان بواسا هو الذي دلّ التاجرَين الصينيَّين على المكان فانتقلا إليه، وأنّ الروايتين السابقتين إحداهما صنعةُ الاستعمار والأخرى صنعةُ القومية. وينبغي أن يُعلم أنّ لوبيس نفسه من الماندايلينج ومن ذرّية معاصرٍ لسوتان بواسا، وقد صرّح بذلك ولم يُخفه، وذكر أنّ ما فعله إنّما هو إثباتُ روايةٍ شفويةٍ متوارثةٍ في قومه بالوثائق. وليس في هذا ما يُبطل حجّته؛ وإنّما هو سياقٌ ينبغي للقارئ أن يعرفه، ثم ينظر في الوثائق التي ساقها ويزنها بميزانها.
والذي يظهر لي بعد النظر في هذه الأقوال أنّ الخصومة فيها ليست خصومةً في الماضي وإنما هي خصومةٌ في الحاضر؛ إذ إنّ السؤال في ظاهره: من أسّس كوالالمبور؟ وفي باطنه: لمن كوالالمبور؟ ولذلك ترى كلَّ فريقٍ يقدّم رجلَه من قومه. ولو تجرّدنا للسجلّ وحده لقلنا: إنّ أعالي وادي كلانج كانت مأهولةً قبل بعثة سنة ١٨٥٧؛ وإنّ تلك البعثة فتحت مناجم أمبانج التي أعطت الملتقى شأنه؛ وإنّ السوق عند الملتقى ظهر في أواخر خمسينيات القرن التاسع عشر؛ وإنّ ياب آه لوي هو الذي جعلها بلدةً تُذكر؛ وإنّ الإدارة البريطانية جعلتها عاصمة. فالمدنُ لا تُؤسَّس كما تُؤسَّس الشركاتُ بعقدٍ وتاريخٍ وشاهدَين؛ وإنما تتراكم تراكمًا، ويُقيمها قومٌ ويرثها آخرون. ومن أراد أن يختصر هذا كلَّه في اسمٍ واحدٍ فإنما يكتب رايةً لا تاريخًا.
خاتمة
ولعلّ في هذه الحكاية عبرةً لمن يمشي اليوم في «ميدان باسار» أو يقف على جسر مسجد جامك حيث يلتقي النهران: أنّ هذا الملتقى كان مَرْسى رجال بعثة سنة ١٨٥٧ قبل أن يمشوا إلى أمبانج، وأنّ اسم المدينة نفسه يحفظ — على أرجح الأقوال الحديثة — ذكرَ مجرى طينيٍّ أقدم من سوقها، وأنّ في أول سجلّها تسعةً وستين رجلًا ماتوا بالحُمّى في نحو شهرٍ واحدٍ من سنة ١٨٥٧ وما تُعرف لهم أسماء.
على أنّ أعجب ما في هذه المدينة ليس أنّها بُنيت، بل أنّها بُنيت ثلاث مرّات: مرّةً من الغابة، ومرّةً من رماد الحرب، ومرّةً من رماد الحريق والسيل. وفي كلّ مرّةٍ كان الذين يعيدون بناءها خليطًا من أقوامٍ شتّى: ملايويّون وصينيّون وسومطريّون وهنودٌ وعربٌ وإنجليز. ومن ههنا جاءت الخصومة التي لا تنتهي؛ فإنّ من بنى شيئًا مرّتين يرى أنّ له فيه حقًّا، ومن أعطى فيه دمًا يرى أنّ له فيه حقًّا، ومن دفع فيه مالًا يرى أنّ له فيه حقًّا. فالسؤال عن المؤسّس في حقيقته مطالبةٌ بحقٍّ قديم، والجوابُ الأمينُ عنه أنّ الحقّ فيها مشاعٌ بين هؤلاء جميعًا؛ وأنّ المدينة التي بُنيت ثلاثًا لا يجوز أن تُنسب إلى واحد.
ثبتٌ مختصر
- J. M. Gullick, The Story of Kuala Lumpur, 1857–1939 — العمدة في تاريخ المدينة المبكّر، وعليه المعوَّل في تفصيل بعثة ١٨٥٧ ونشأة السوق عند الملتقى.
- J. M. Gullick, A History of Selangor — وعليه المعوَّل في واقعة لوكوت سنة ١٨٣٤ وأرقامها، وفي تاريخ البيت الحاكم وحرب سلانجور.
- J. M. Gullick, “The Growth of Kuala Lumpur and of the Malay Community in Selangor before 1880”, Journal of the Malaysian Branch of the Royal Asiatic Society, Vol. 63, No. 1, 1990, pp. 15–38 — ومنه التفريق بين استقرار السومطريين القديم في أعالي كلانج وظهور المركز التجاري عند الملتقى في أواخر خمسينيات القرن التاسع عشر، ومناقشة لغز اسم كوالالمبور.
- L. D. Gammans, “The State of Lukut”, Journal of the Malayan Branch of the Royal Asiatic Society, Vol. II, No. 3, December 1924, pp. 291–295 — ومنه وصف لوكوت وحصنها وشرطتها ذات الاثنين والعشرين رجلًا، وتقرير الكابتن ماكفرسون سنة ١٨٦٠.
- Khoo Kay Kim, Negeri-negeri Melayu Pantai Barat, 1850–1873: Kesan Perkembangan Dagang terhadap Politik Melayu, Fajar Bakti, 1984 — ومنه مادة انتقال حق كلانج إلى راجا عبد الله وتفاصيل السياسة في سلانجور قبيل الحرب الأهلية.
- W. Linehan, A History of Pahang, Journal of the Malayan Branch of the Royal Asiatic Society, Vol. 14, No. 2, 1936 — وعليه في مدد باهانج وحملتها في سلانجور خلال المرحلة الأخيرة من الحرب.
- Abdur-Razzaq Lubis, Sutan Puasa: Founder of Kuala Lumpur, Areca Books, Penang, 2018 — ومنه رواية «بانجكالان لُمبور» وأولوية الماندايلينج ودور سوتان بواسا؛ وقد عُرضت في المقال بوصفها أطروحةً بحثيةً محل نقاش.
- Teckwyn Lim & Peter Leong, “Muddy Waters: The Lost Sungai Lumpur”, Journal of the Malaysian Branch of the Royal Asiatic Society, Vol. 98, No. 2, December 2025, pp. 57–91 — دراسة حديثة في أصل اسم كوالالمبور، ترجّح اشتقاقه من مجرى مفقود باسم «سونغاي لُمبور».
- لوحات العرض في متحف لوكوت التابع لـJabatan Muzium Malaysia — واعتمدت في تثبيت تأريخ عهد راجا بوسو (١٨١٥–١٨٣٤)، وعدد سكان لوكوت سنة ١٨١٨، وتأريخ وفاة راجا جمعة سنة ١٨٦٥ بحسب العرض المتحفي.
من سلسلة «حكايات من بلاد الملايو» — مدوّنة سفر اليماني
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.