اعلم ـ أرشدك الله ـ أنّ في زماننا هذا طائفةً من الناس أطلقوا على أنفسهم صفة «العارفين بخفايا الأمور»، وما هم ـ لعمري ـ إلا أسرى الوهم والغرور. يمشي أحدهم خلف كل ناعق، ويُسلّم عقله لكل طارق؛ متى أتاه المتحدث بكلامٍ عجيب ولفظٍ غريب، وإن كان بغير دليلٍ أو تبيان، خفّ إليه خفّة الطير، ومشى وراءه مشيَ الضرير، متجاهلًا أهل العلم والاختصاص ممن أفنوا في المعرفة أعمارهم وأحكموا أبحاثهم؛ فيضرب بجهودهم عُرض الحائط، وحجته في ذلك أنهم لم يأتوا بشيءٍ فريد، ولم يخرجوا عن المألوف المعهود.
وليس العيب في أن يشكّ المرء؛ فالشكّ مفتاح التحقيق، والسؤال أول طريق المعرفة. وإنما العيب أن يجعل الشكَّ جوابًا قبل السؤال، ثم يطلب لكل حادثةٍ يدًا خفية، ولكل مصادفةٍ مدبّرًا مستترًا، ويرفض الدليل لا لأنه ضعيف، بل لأنه لا يوافق القصة التي أحبّ أن يصدقها.
وإذا نظر هذا «المؤامراتي» في المرآة خُيّل إليه أنه قطب الزمان، والناجي الوحيد من بين العميان، وأن من سواه غارقون في بحر الأوهام. فيجلس عابسًا متجهّمًا، يحارب في خياله قوى الظلام، ويشغل نفسه ومن حوله بحربٍ ضروس ومعارك تدور في الرؤوس، ضد أعداء لا يفارقون تلافيف دماغه.
تراه متأهبًا في كل حين، لا ينام إلا وعصاه الخشبية في يمينه، يخالها سيفًا مهندًا وسلاحًا فاتكًا، سيقمع بها «حكومة العالم الخفية» التي تلاحقه ليل نهار لأنه ـ في زعمه ـ كاشف الأسرار. فإن جاؤوا لاغتياله، تصدّى لجيشهم العرمرم بعصاه تلك، وهي ـ لعمري ـ عصًا بائسة لا تقوى على خدش نملة.
وهو في مجالسه لا يفتأ ينشر رسالته الوهمية ويبث أفكاره العدمية، علّه يجد من يحمل الراية بعده، فيعيش معه في تيهٍ لا مخرج منه. وأما نومه فمحرّم عليه في الليل، ولا يغفو في النهار إلا سويعات، مغمضًا عينًا وفاتحًا الأخرى، يرصد بها تحركات الحكومة الخفية التي ضاقت بالبشر ذرعًا، ورامت ـ بزعم صاحبنا ـ إبادتهم جميعًا، لتنفرد بحكم أرضٍ خلاء لا رعية فيها ولا غوغاء!
وإياك ثم إياك أن تذكر «الكوكب» في مجلسه؛ فهو لا يرى الأرض كرويةً تدور، بل زعم ـ لما اشتد به الجوع يومًا ـ أنها مسطحةٌ كقرص «البيتزا». تأمل الرغيف المخبوز، فانكشف له المستور، وأدرك في لحظة ما خفي على علماء العصور! فلنلغِ إذن اسم الكوكب مداراةً لغضبه، ولنبقِ على اسم الأرض اتقاءً لسخطه.
وقد زهد صاحبنا في طلب العلم والسعي في العمل؛ فلديه من الخطوب ما يجلّ عن الوصف. تراه محترقًا منفعلاً، ينسب إلى سادة القبو السرّي قدرةً لا تحدّها الأسباب؛ فهم عنده يتحكمون في الغيم والمطر، ويستجلبون الزلازل بالسر، ويخلقون الداء، ويدسون السموم في الدواء. فإن أصابت البلادَ موجة حرٍّ قال: فعلوها. وإن جاء المطر في غير موعده صاح: ألم أقل لكم؟ وإن تعطّل هاتفه ساعةً فلا تسأله عن البطارية، بل عن الجهة التي لا تريد للحقيقة أن تصل إليه.
وبلغ من شططه أن رأى في «الدجاج» مؤامرةً عظمى، وفخًا نُصب للبشرية من حكومة الليل الكبرى. فهبّ من فوره ممتشقًا عصاه التي لا تضر ذبابة، وخرج يطارد دجاج الحي في الأزقة صائحًا: «ويحكم! أنتم أصل الداء وسر البلاء!».
ثم إذا ما تعب من طراد الدجاج أسند ظهره إلى جدار، وأخذ يعدد على الناس ما اكتشفه من الأسرار، فلا يمر طعام ولا دواء ولا آلة ولا خبر إلا وجد وراءه مخططًا، حتى ليخيل إلى سامعه أن أهل القبو السرّي لا ينامون ولا يأكلون، وإنما يقضون أعمارهم في تدبير شأن صاحبنا خاصة.
ومن أعجب العجب، وأغرب ما سطر صاحبنا في هذا المذهب، ولعه بوجوهٍ صفر من رسومٍ وخيال، تُعرف بين الناس بـ«عائلة سِمْبِسُون». فقد جعل من هذا المسلسل الهزلي ديوانًا للنبوءات، وسِفرًا لكشف المؤامرات، يزعم أن «حكومة الليل» تبث عبر هذه الرسوم نواياها، وتلمّح للعامة بما يُحاك في خفاياها.
فتراه يهجر صحف الأخبار وكتب الباحثين، ويسمر أمام الشاشة يفك طلاسم تلك الرسائل، يراقب شخوصها الصفراء بعين المترقب الحذر؛ فإذا سقط في الرسوم جدار، أو حلّت ببلدةٍ نار، أو حتى عطست شخصية مرتين، هب واقفًا صارخًا: «ألم أقل لكم؟ هذا نذير شؤمٍ محتوم، ومخطط عظيم مرسوم، قد مهّدوا له في هذا الكرتون المشؤوم!».
فجعل من رسومٍ هزلية مرجعًا لليقين، وترك كلام الباحثين والمجربين. فإن وافقته حلقة قال: هذا الدليل الذي لا يُدفع. وإن خالفته ألف حلقة قال: تلك للتمويه! وهكذا بنى لنفسه مذهبًا لا يمكن إبطاله؛ لأن كل دليل ضده يصبح عنده دليلًا جديدًا عليه.
وقضى عمره لاهثًا وراء السراب، ومحاربًا لأشباحٍ تقبع خلف الضباب، يبحث عن العقدة في المنشار، ويترقب نهاية العالم مع بزوغ كل نهار؛ يحرس «قرص البيتزا العظيم» من الزوال، ويقاتل طواحين الهواء في كل ساحٍ ومجال.
فدعه في واديه يهيم إن أبى الدليل والحجة، واحمد الله يا صاحبي على نعمة عقلٍ يسأل قبل أن يحكم، ويطلب البرهان قبل أن يصدّق، ويعرف أن العالم مليء بما نجهله حقًا، فلا حاجة لنا أن نملأ فراغ جهلنا بأشباحٍ من صنع الخيال.
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.