كان الهدهدُ في هذه الأرض قبلنا. طائرٌ صغيرٌ لا يُعَدّ في الطير ذا شأن، غير أنّه غاب حين غاب، ثم جاء بما لم يُحِط به مَن هو أعظمُ منه سلطانًا، فقال: جئتُ من هناك بنبإٍ يقين. ولم يكن له في ذلك إلا خصلتان: أنّه ذهب حيث لم يُرسَل، وأنّه رجع بما رأى لا بما قيل له.
وأنا رجلٌ من اليمن، حملَتْني الأيامُ إلى بلاد الملايو فأقمتُ فيها، فرأيتُ ما يراه الغريب ولا يراه ابنُ البلد؛ فإنّ المرء لا يُبصر ما ألِفَه، وإنما يُبصره من جاء إليه من بعيد. وقفتُ حيث يمرّ الناسُ ولا يقفون، وسألتُ عمّا لا يُسأل عنه، ثم وجدتُ في ذلك من الحكايات ما لا يُترك للنسيان.
ولستُ أكتب ما يُروى فحسب، بل أفتّش عن أصله ما استطعتُ إليه سبيلًا؛ فما ثبت أثبتُّه ونسبتُه إلى أهله، وما لم يثبت رويتُه ولم أزعم أنّه ثابت. وليس عندي أنّ الحكاية تُنقَص بقول القائل: هكذا يُروى، ولم أقف له على سند.
وهذه المدوّنةُ مجالُ ذلك كلِّه. أكتب فيها عن بلاد الملايو وأهلها وسِيَرِ رجالها، وأكتب عن اليمن التي جئتُ منها، وأكتب فيما عَنّ لي ممّا لا يدخل تحت باب. فليس للهدهد وطنٌ واحد، ولا تحدّه في طيرانه حدود؛ وإنّما شأنه أن يذهب، ثم يعود بالخبر.
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.