![]() |
| بوابة ميمالاند بعد ربع قرن من إغلاقها، وقد بدأت الغابة تستردّ ما كان يومًا مدخلًا إلى مدينة الملاهي. |
تمهيد
لو مضيتَ اليومَ في بعض غابات غومباك، على مَبعدةٍ من كوالالمبور التي لا تكفُّ عن البناء، ما خَطَرَ لك أنّ بين هذه الأشجار موضعًا كان مَقصِدَ العائلات، ومُجتمَعَ الأطفال، ومَسارِحَ اللهو والماء والطعام. فالذي تراه اليوم غابةٌ لا غير: أغصانٌ تتدلّى على طُرُقٍ انطفأت عنها الأقدام، وجذورٌ تشقُّ الإسمنتَ شقَّ الماءِ للصخر، وجدرانٌ غيّر المطرُ ألوانَها، وبِرَكٌ رَكَدَ ماؤها حتى صار غيرَ الماء، وبقايا منشآتٍ تتوارى شيئًا فشيئًا خلف النبات.
ثم تقع عيناك، في موضعٍ لا تتوقّعه، على مخلوقٍ من زمانٍ آخر: ديناصور. ليس عظمًا متحجّرًا أخرجَتْه معاولُ الباحثين من بطن الأرض، ولكنه تمثالٌ ضخم بقي من مدينة ملاهٍ اختفَت، كأنّ الغابةَ ابتلعَت المدينةَ كلَّها ثم أبقَت هذا الوحشَ وحده شاهدًا عليها.
هنا كانت ميمالاند. وقد كان لهذا الاسم زمانٌ لا يبعث على الوحشة، بل على الفرح.
اسمٌ من زمن الطموح
يَعسُر على من يعيش في ماليزيا اليوم، محاطًا بالمدن الترفيهية والمراكز التجارية والمنتجعات، أن يتخيّل كم كانت الفكرة غريبةً قبل نصف قرن. لم تكن البلاد تعرف بعدُ ذلك العددَ من الحدائق الكبرى التي يُخيَّر المرء اليوم بينها، ولا كانت الأسرةُ التي تريد يومًا خارج البيت أمام عشرات البدائل.
وفي ذلك الزمن ظهرت في غومباك فكرةٌ طموحة: أن تُقام وسط الطبيعة حديقةٌ تجمع الترفيه والتعليم والاستجمام؛ مكانٌ تأتيه الأسرة في الصباح، فيرى الأطفال حيوانَ ما قبل التاريخ، ثم ينصرفون إلى الألعاب والمسابح، ويتمشّى الكبار بين الأشجار، ويعود الجميع آخِرَ النهار ومعهم صُوَرُ يومٍ لا يشبه سائرَ الأيام.
بدأ إنشاء ميمالاند في مطلع السبعينيات، ثم فُتحت للجمهور سنة ١٩٧٥، وتتابعت مرافقُها وتوسّعاتها بعد ذلك على مراحل. وقد شاع في المدوّنات الماليزية أنّ افتتاحها كان سنة ١٩٧١، غير أنّ الصحف الكبرى تُجمع على ١٩٧٥؛ وأكبر الظنّ أنّ ١٩٧١ سنةُ ابتداء العمل لا سنةُ فتح الأبواب. وهذا من دقائق هذه الحكاية التي ينبغي التنبّه لها: إذا رأيتَ خبرًا يتكرّر بحروفه في عشرين موقعًا، فليس معنى ذلك أنّ لك عشرين شاهدًا، بل قد يكون لك ناقلٌ واحد نقل عنه تسعةَ عشر.
أُقيمت الحديقة على نحو ثلاثمئة فدّان من أرضٍ متموّجة بالتلال في أولو غومباك، شماليَّ شرقِ كوالالمبور، يصلها الزائرُ من الطريق القديم بين غومباك وبنتونج، وهو الطريق الذي كان قبل أن يُشقّ خطُّ كاراك السريع. وكانت مِلكًا لشركة «ميمالاند برهاد» التي آلت إلى مجموعة ماجنوم في آخر السبعينيات.
أما الاسم فمنحوتٌ من عبارةٍ إنجليزية: Malaysia in Miniature Land، أي «ماليزيا في أرضٍ مصغّرة». وقد يبدو اليومَ اسمَ مشروعٍ صغير من مشاريع الماضي، أما يومَها فكان إعلانًا عن شيء جديد.
الديناصورات تصل إلى غومباك
ولعلّ أشهرَ ما بقي من ميمالاند في الصور والذاكرة عالَمُ الحيوان القديم. فبين أشجار سلانجور أُقيمت مجسّماتٌ ضخمة لديناصورات ومخلوقاتِ ما قبل التاريخ، موزّعةً بحيث يمشي الزائر بينها كأنه دخل عالمًا آخر. وإلى جانبها بحيرةٌ للتجديف وصيد السمك، ومتاهةٌ كبيرة يدخلها الناس ليتيهوا فيها لهوًا، ومسالكُ لعبور الغابة.
ولم تكن الحديقة مكانَ نُزهةٍ لنهارٍ واحد فحسب، بل كان فيها ما يُقيم الزائر: أربعٌ وعشرون غرفةً في نُزُلٍ للسيّارات، وعشرةُ أكواخ على البحيرة، ومَبيتٌ فيه أربعةُ مهاجعَ ومئةُ سرير. وهذا وحده يدلّك على أنّ القوم لم يبنوا ملهًى، وإنما أرادوا منتجعًا كاملًا في الجبل.
قد لا تَبهر تلك المجسّمات طفلَ اليوم الذي يرى الديناصورَ يتحرّك أمامه بالمؤثرات الرقمية بأدقّ من ذلك وأتقن. لكنّ الأمر كان مختلفًا يومئذ: طفلٌ يجيء من كوالالمبور أو من بلدةٍ بعيدة، فيمشي وسط الغابة، ثم يجد أمامه حيوانًا هائلًا لم يره قبلُ إلا في كتاب أو رسم. ولم يكن المطلوب أن يكون التمثالُ كاملَ الدقّة العلمية، وإنما كان المطلوب أن يُثير الدهشة. وقد فعل.
وحتى بعد أن ماتت ميمالاند نفسها، ظلّت صورُ الديناصورات أوّلَ ما يستدعيه من يتذكّر الحديقة. كأنها خرجت من زمانها مرتين: مرةً لأنها تُمثّل حيواناتٍ انقرضت قبل البشر بأمدٍ لا يكاد العقل يتخيّله، ومرةً لأنها اليوم بقايا من عالَمٍ ترفيهيٍّ انقرض هو الآخر.
أيام الماء والضحك
ولم تكن ميمالاند حديقةَ ديناصورات وحدها، وإنما كانت مكانًا لقضاء اليوم كلِّه: مساحاتٌ خضراء، وألعاب، وبِرَكٌ ومسابح، ومرافقُ يترك الناس فيها المدينةَ خلفهم بعضَ الوقت.
وكان أعظمَ ما اشتهرت به جانبُ الماء. تصف الأدلّةُ السياحية القديمة مسبحًا هائلًا في بطن الوادي تغذّيه مياه الجبل، تبلغ مساحته اثنين وثلاثين ألف قدم مربّعة، وقد رُوّج لزلّاقةٍ عنده وهي في طور الإنشاء على أنها ستكون أطولَ زلّاقةٍ في العالم. وتردّد في الكتابات المتأخرة أنه كان أكبرَ مسابح جنوب شرق آسيا، وهي عبارةُ دعايةٍ يُتساهَل في نقلها. واحفَظ هذه الزلّاقة في ذهنك، فسيكون لها في آخر الحكاية شأن.
وكان الموضعُ نفسه جزءًا من التجربة؛ فلم تُبنَ ميمالاند في قلب مدينةٍ مزدحمة ثم زُرِعت حولها أشجارٌ للزينة، بل أُقيمت وسط طبيعةٍ غنيةٍ بالماء والنبات والتلال. وكان هذا من أسباب سحرها، وهو أيضًا ــ على نحوٍ ما ــ من أسباب نهايتها؛ فالطبيعةُ التي جُعلت إطارًا للحديقة ستعود يومًا لتدخلها من كل باب.
على أنّ ذلك لم يكن يخطر ببال زائرٍ يسمع صياح الأطفال عند الألعاب، أو يرى العائلات جالسةً إلى الطعام. لم تكن ميمالاند في تلك السنين خَرِبةً يغامر بعض الناس بدخولها، بل كانت مكانًا يُقصَد قصدًا، وكانت الصورُ العائلية التي تُلتقط فيها لا توثّق «مكانًا مهجورًا»، بل يومًا سعيدًا عاديًّا.
وهذا بعينه ما يجعل أطلالَ الأماكن الحديثة مؤثّرةً على نحوٍ يختلف عن القلاع القديمة. حين تدخل قلعةً عمرها خمسمئة سنة فأنت تعلم من أول خطوة أنّ الذين بنوها ماتوا منذ قرون؛ أما هنا فقد تجد إنسانًا حيًّا ينظر إلى صورة الأطلال ويقول لك: هناك لعبتُ وأنا طفل.
ميمالاند على الشاشة
ولم تبقَ ميمالاند حبيسةَ زوّارها. فقد صارت خلفيةً للسينما الماليزية في سنوات مجدها، صُوِّرت فيها مشاهدُ من أفلامٍ عدّة، أشهرُها «ميكانيك» و«جيلا جيلا رماجا»، وفي هذا الأخير جملةٌ صارت تُروى: «إياك أن تنسى غدًا، ميمالاند!». وكان ذِكرُ الاسم في الفيلم كافيًا ليعرف المشاهد المقصود، وتلك علامةُ الشهرة.
وهذه نقطة يسهل أن تضيع حين ننظر إلى الموقع اليوم؛ فالخرابُ يُصغّر الأشياء. إذا رأيتَ سورًا مكسورًا أو مسبحًا متروكًا خُيّل إليك أنّ المكان لم يكن إلا مشروعًا فاشلًا ظلّ فارغًا منذ إنشائه. لكنّ أطلال ميمالاند خادعة: كانت الحديقةُ في أوجها مشهورة، وكان اسمها معروفًا، وكانت جزءًا من طفولة كثيرين، يقصدها الناس من ماليزيا وسنغافورة جميعًا.
ولم يكن أحدٌ من أولئك الأطفال الذين وقفوا أمام الديناصورات يتخيّل أنهم سيكبرون ثم يرون المكان نفسه موضوعًا لمقاطعَ عنوانها: «مدينة الملاهي المهجورة في الغابة».
كيف تموت الأماكن
لا تموت الأماكن عادةً في يومٍ واحد، ولا يبدأ العطبُ فيها من حيث يظنّ الناس. الروايةُ الشائعة تجعل نهاية ميمالاند حادثًا واحدًا في التسعينيات؛ والحقيقةُ أنّ الأسئلةَ الصعبة كانت تُطرح خلف واجهتها المرحة قبل ذلك بعشر سنين.
فقد نشرت «ستريتس تايمز» في ٢١ يوليو ١٩٧٦ خبرَ رجلٍ غرق في بحيرة ميمالاند. ثم كانت الواقعة التي فتحت الملفّ كلَّه: غرقُ تلميذٍ في الرابعة عشرة من عمره في مسبح الحديقة سنة ١٩٨٢.
وفي فبراير ١٩٨٣ نشرت مجلة «نادي إنسان» تحقيقًا مطوّلًا عن الحادثة معتمدًا على نتيجة التحقيق القضائي، جاء فيه أنّ قاضي التحقيق أخذ على الحديقة قِلّةَ المنقذين المؤهَّلين، وأنّ المنقذ لم يكن في موضعه ساعةَ الحادث بل في غرفة المضخّات، وأنّ الإدارة لم تكن تعلم أصلًا إن كان للمسبح شهادةُ صلاحيةٍ أم لا. ومضى التحقيق إلى ما هو أبعد من المسبح، فراجع سندَ الأرض في مكتب أراضي غومباك، فإذا هي أرضٌ مصنَّفة للزراعة، مشروطٌ في تملّكها إبقاؤها على حالها وألّا تُقام عليها مبانٍ دائمة إلا بإذن الولاية.
وفي ١٢ فبراير ١٩٨٣ نشرت «ستريتس تايمز» خبرًا عنوانه سؤال: «أتُغلق ميمالاند؟».
ولم تُغلق يومئذ. بقيت الأبوابُ مفتوحة أحدَ عشر عامًا بعد ذلك السؤال، وظلّت العائلات تجيء، وظلّ الأطفال يقفون إلى جانب الديناصورات، وكأنّ تلك النُّذُر سحابةٌ مرّت. وهكذا تكون سِيَرُ الأماكن كسِيَر الناس: يظهر المرضُ باكرًا، ويُؤجَّل العلاج، ويستمرّ صاحبه في المشي كأنّ شيئًا لم يكن.
ثم جاء يناير ١٩٩٣.
ما جرى في الزلّاقة
في ٢٥ يناير، في أيام رأس السنة الصينية، كان شابٌّ سنغافوريٌّ في السابعة والعشرين من عمره، اسمه سيفاراج راجندران، يعمل فنيًّا، يقضي إجازته في ميمالاند، فانحدر في الزلّاقة الكبرى، فانقضّ عليه من خلفه راكبٌ آخر انقضاضًا وصفه أهلُه بأنه كان كالطوربيد، فانكسر ترقُوَتُه وأُصيب في نخاعه الشوكي وشُلّ.
ونُقل إلى مستشفًى في كوالالمبور، وقيل لأبيه إنه لا رجاء فيه. وفي ٤ فبراير أمر مجلسُ غومباك المحلي إدارةَ الحديقة بتشديد تدابير السلامة، ومن ذلك أن يُوقَف عاملٌ عند أعلى الزلّاقة لئلّا ينحدر فيها اثنان معًا. وفي تلك الليلة نفسها، بعد ساعاتٍ من صدور الأمر، مات سيفاراج راجندران.
وقد اختلطت هذه الواقعة اختلاطًا شديدًا في الكتابات المتأخرة: فمن قائلٍ إنه غرق في المسبح، ومن قائلٍ إنه لم يمت أصلًا وإنما نجا وشُفي، وهذا الأخير خطأٌ نشأ من الوقوف عند خبر اليوم الأول دون قراءة خبر اليوم التالي. وأصحُّ ما في الباب خبرُ الصحيفة السنغافورية المعاصرة: أُصيب فشُلّ، ثم مات في الرابع من فبراير متأثّرًا بإصابته.
وفي هذا الاختلاف درسٌ يشبه موضوعَ المقال كلَّه: كما تبتلع الغابةُ الجدران، تبتلع الروايةُ المتناقلة الوقائع؛ فيُنسى الاسمُ ويبقى «سائحٌ سنغافوري»، ويُنسى سببُ الموت ويبقى «غرق»، وتصير الحادثةُ حجرًا في بناء أسطورةٍ لا خبرًا عن إنسانٍ له أبٌ ينتظر في المستشفى.
الانهيار، ثم الصمت
هزّ الحادثُ الناسَ فأُغلقت الحديقةُ إغلاقًا مؤقتًا، ثم أُصلحت الزلّاقة وأُعيد فتحها. غير أنّ انهيارًا أرضيًّا صغيرًا أصاب في مايو ١٩٩٤ جدرانَ منطقة المسبح، فتسرّب الطينُ إلى مائه، فأُغلقت تلك المنطقة أمام الناس. وفي تلك السنة نفسها أُغلقت ميمالاند كلُّها، بعد تسعة عشر عامًا من العمل، فلم تُفتح بعدها قطّ.
فانظر إلى المفارقة: إنّ جانبَ الماء الذي كان أعظمَ ما يجتذب الناس إليها هو الذي فتح عليها باب النهاية، وإنّ الطبيعةَ التي جُعلت زينةً للمكان هي التي أرسلت عليه أوّلَ الطين.
أما لماذا أُغلقت على وجه اليقين، فتلك مسألةٌ أعجب من كل ما تقدّم. الروايةُ الشائعة تقول إنّ جهاتٍ حكومية رفعتها إلى المحكمة فقضت بمنعها من التشغيل؛ وهي روايةٌ لا تخلو من أصل، فقد رأيتَ أنّ المسائل القانونية والتنظيمية كانت قائمةً منذ الثمانينيات. لكنّي لم أقف على اسم قضيةٍ ولا تاريخِ حكمٍ ولا خبرٍ صحفيٍّ معاصرٍ بذلك الحكم.
بل إنّ ما هو أغرب من ذلك: لمّا سُئلت الجهاتُ الرسمية في ولاية سلانجور عن سبب الإغلاق بعد اثنتين وعشرين سنة، لم تجد في سجلّاتها جوابًا؛ فمكتبُ الأراضي لا يحفظ سببًا، والمجلسُ البلدي أحال الأمرَ إلى مجلسٍ سابقٍ كان قائمًا يومئذ. فالغابة لم تبتلع الجدرانَ وحدها؛ ابتلعت السبب أيضًا.
أُغلقت الأبواب، وانصرف آخِرُ الزوّار، ولم يعودوا في اليوم التالي.
اليومُ الأول بعد النهاية
ولنتخيّل المكان لا بعد ثلاثين سنة من الإغلاق، بل بعد يومٍ واحد. الألعابُ في مواضعها، والممرّاتُ كما هي، والديناصوراتُ واقفة، والأبوابُ قائمة، والأشجارُ لم تبتلع شيئًا بعد. لو دخل إنسانٌ الحديقةَ يومَها لوجدها تكاد تُشبه نفسها. غير أنّ شيئًا واحدًا تغيّر: لن يجيء الجمهور.
ثم مرّ أسبوع، وشهر، وجاء موسم المطر، وسقطت أوراقٌ جديدة فوق الممرّات القديمة. ثم جاءت سنةٌ أخرى، فلم يعد العشب ينتظر إذنًا ليخرج بين شقوق الإسمنت. دخلت النباتاتُ من الحواف، وتسلّقت ما تستطيع تسلّقه، وغطّى الطُّحلبُ الأسطحَ الرطبة، وانكسرت أشياء لم يأتِ أحدٌ لإصلاحها.
وهكذا أخذ مشروعٌ بناه الإنسان وسط الغابة يتحوّل ببطء إلى جزءٍ منها.
الغابة تسترِدّ أرضها
وهذا هو الوجه الذي عُرفت به ميمالاند عند جيلٍ أصغر لم يرها مفتوحة قطّ. لم يرها هؤلاء وهم يحملون تذاكر الدخول، وإنما رأوها في صور المغامرين: ممرّاتٍ فارغة، وخرسانةً يحيط بها الأخضرُ من كل جهة، وبِرَكًا ساكنة، وجدرانًا متآكلة، وهياكلَ تظهر بين الأشجار ثم تختفي. والديناصورات؛ دائمًا تقريبًا تعود الديناصورات.
ذلك أنّ المشهد نفسه شديدُ الإغراء للخيال: ديناصورٌ مصنوعٌ متروكٌ في غابةٍ استوائية، والنباتُ قد نما حوله حتى يَعسُر للحظةٍ أن تعرف أين تنتهي الحديقةُ وأين تبدأ الطبيعة. ومن هنا وُلدت لميمالاند حياةٌ ثانية: لم تعد مدينةَ ملاهٍ، بل صارت مدينةَ ملاهٍ مهجورة. والفرق بين الاسمين أكبر مما يبدو؛ ففي الحياة الأولى كان الناس يأتونها طلبًا للمرح، وفي الثانية صاروا يأتون حكايتَها طلبًا للغموض.
وقد بلغ من ذلك أن صار اسمُها مادةً لأفلام الرعب، فحُمل على الشاشة مرةً أخرى، لا بوصفه مكانًا للفرح كما كان في الثمانينيات، بل بوصفه مكانًا «مسكونًا». وهكذا تُعامَل الأطلال في كل أمّة: تُروى مرةً بلسان المؤرّخ، وتُروى مراتٍ بلسان القُصّاص.
على أنّ للصورة الرومانسية للخراب وجهًا آخر بسيطًا: الخَرِبةُ خَرِبة. فما مضت عليه عقودٌ بلا صيانة قد تكون أرضه غير مستقرّة، ومبانيه واهية، ومياهه خطرة، ومسالكه ليست طريقًا سياحيًّا مهما بدا المشهدُ جميلًا في الصور؛ والموقعُ فوق ذلك أرضٌ مملوكة لا تُدخَل بغير إذن. ولذلك فحكاية ميمالاند أجملُ أن تُقرأ بوصفها تاريخًا وذاكرة، لا تحدّيًا لدخول مكانٍ متداعٍ. فلسنا نحتاج إلى تسلّق سورٍ لكي نعرف أنّ وراءه قصة.
جيلان، وميمالاند واحدة
لو سألتَ رجلًا ماليزيًّا كبيرَ السنّ عن ميمالاند لحدّثك عن يومٍ زارها فيه مع أسرته. ولو سألتَ شابًّا لقال لك: أليست تلك الحديقةَ المهجورة؟ وكلاهما يتحدّث عن المكان نفسه.
وهذه من أعجب مفارقات التاريخ الحديث: لا يلزم المكانَ ألفُ سنة كي تتبدّل هويّته، بل تكفي ثلاثةُ عقود أحيانًا لتصير ذكرياتُ الطفولة آثارًا. وأطفالُ الأمس الذين وقفوا إلى جانب الديناصورات صار بعضهم أجدادًا، أما الديناصوراتُ نفسها فما زالت في بعض الصور واقفة.
فمن الذي بقي إذن: التمثالُ أم الطفل؟
ليست كلُّ الآثار قصورًا
إذا قلنا «أثرًا تاريخيًّا» انصرف الذهن إلى حصنٍ وسلطانٍ ومسجدٍ قديم وحجرٍ نُقش عليه تاريخ. لكنّ ذاكرة البلاد لا تسكن هذه المواضع وحدها؛ فثمّة تاريخٌ للمدارس التي أُغلقت، ودورِ السينما التي هُدمت، والأسواقِ التي تغيّرت، والقطاراتِ التي توقّفت، والمصانعِ التي صمتت، والمدنِ الترفيهية التي لم يعد أطفالُها أطفالًا.
ولهذا تستحقّ ميمالاند أن تُحكى: لا لأنها شهدت معركة، ولا لأنّ سلطانًا مات فيها، ولا لأنّ معاهدةً غيّرت حدود دولة وُقّعت بين جدرانها، بل لأنها كانت يومًا جزءًا من حياة الناس، ثم انتهت. والأشياءُ العادية حين تنتهي تكون أحيانًا أقدرَ من الأحداث الكبرى على أن تُخبرنا كيف كان الناس يعيشون.
فميمالاند في حقيقتها وثيقةٌ عن ماليزيا نفسها: عن عصرٍ بدأ فيه المجتمعُ الحضري يكبر، وعن أُسَرٍ صار لديها وقتٌ ومال ليومٍ من الترفيه، وعن بلدٍ كان يجرّب أشكالًا جديدة من السياحة الداخلية، وعن جيلٍ دخل الحداثةَ من أبوابٍ لم تكن كلُّها مصانعَ وطرقًا سريعة ومبانيَ حكومية؛ بل كان بعضها على هيئة ديناصورٍ إسمنتيٍّ وسط الغابة.
وبعد
اختيرت الطبيعةُ لتكون أحد أسباب نجاح ميمالاند، فكان الزائر يخرج من المدينة إلى الأشجار والماء والتلال. ثم غادر الإنسانُ فبقيت الطبيعة، وصار ما كان منظرًا يحيط بالمشروع قوّةً تدخل فيه، واختلط ما زرعه الإنسانُ للزينة بما نبت وحده، حتى عَسُر بعد سنين أن تعرف أيُّ نباتٍ كان من الحديقة وأيُّه جاء ليحتلّها بعد الرحيل. كأنّ الغابة قالت: أعرتُكم هذه البقعةَ زمنًا، ثم أخذتُها من جديد.
أُغلق الباب، وسكتت الألعاب، ورحل الناس، وبقيت الغابة تعمل. لا تحتاج إلى عمّالٍ ولا ميزانيةٍ ولا مخططٍ هندسي؛ يكفيها المطرُ والشمسُ والوقت. سنةً بعد سنة دخلت ميمالاند، حتى خُيّل أنّ المكان لم يُبنَ وسط الغابة، بل أنّ الغابة كانت تنتظر أن ينصرف أصحابه.
ولعلّها نهايةٌ تليق بمدينةٍ أقامت حيواناتٍ من عصور ما قبل الإنسان: أن تتحوّل هي نفسها، في حياة الذين عرفوها، إلى شيءٍ من عصور ما قبل الحاضر.
سفر اليماني
ثبتٌ مختصر
اعتُمد في أخبار الحوادث على الصحافة المعاصرة ما أمكن، وعلى المصادر المتأخرة عند الضرورة، مع بيان موضع الاحتياط:
- — صحيفة «ذا نيو بيبر» السنغافورية، ٤ و٥ فبراير ١٩٩٣، من أرشيف مكتبة سنغافورة الوطنية — ومنهما خبرُ الإصابة في الزلّاقة، ثم خبرُ الوفاة وأمرُ مجلس غومباك بتشديد تدابير السلامة.
- — «ستريتس تايمز»، ٢١ يوليو ١٩٧٦ و١٢ فبراير ١٩٨٣ — ومنهما خبرُ الغرق في بحيرة ميمالاند، وخبرُ «أتُغلق ميمالاند؟».
- — مجلة «نادي إنسان»، فبراير ١٩٨٣، نسخةٌ مرقمنة في أرشيف «مركز تاريخ الشعب» — ومنها التحقيقُ في حادثة الغرق سنة ١٩٨٢، ونتيجةُ التحقيق القضائي، ومسائلُ شهادات الصلاحية وسند الأرض.
- — «نيو ستريتس تايمز» و«ذي إدج» — ومنهما سنةُ الافتتاح ١٩٧٥، ووصفُ مرافق الإقامة، وخبرُ انهيار ١٩٩٤ وإغلاق الحديقة.
- — دليلٌ سياحي قديم بعنوان Travel in Malaysia — ومنه مساحةُ المسبح، والزلّاقةُ التي رُوّج لها بوصفها ستكون الأطول في العالم، ومساحةُ الموقع وارتفاعُه.
- — مجلس ولاية سلانجور، جوابٌ رسمي سنة ٢٠١٦ — ومنه عدمُ وجود سجلّ لدى الجهات المحلية يثبت سبب الإغلاق.
- — مواقع ماليزية في التوثيق الشعبي: Iluminasi وLibur وSAYS وTRP — ومنها أخبارُ الأفلام التي صُوّرت في الحديقة؛ وهي مصادرُ يُحتاط في أخبارها، وقد بُيّنت في المتن مواضعُ ما لا يثبت منها.
- — الصورة الافتتاحية: بوابة ميمالاند، لقطة من فيديو لـ Rezza Dude، ٢٧ نوفمبر ٢٠١٩، عبر Wikimedia Commons، مرخّصة بموجب CC BY 3.0.
تنبيهٌ في الموقع: ميمالاند اليوم أرضٌ مملوكة مغلقةٌ أمام الجمهور، ومبانيها متداعية، وذِكرُها هنا للتوثيق لا للدعوة إلى دخولها.
سفر اليماني

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.