في أوّل أيّام الحرب رأيتُ في صنعاء غلامًا لم يُتمّ الثانوية، وقد صار له بندقٌ يركب «طقمًا»، ويقف على نقطة التفتيش فيأذن ويمنع.
ولم يكن خائفًا ولا مُكرَهًا فيما بدا لي؛ كان مسرورًا. رأيتُ في وجهه ما يقوله الغلام حين يحسب أنّه بلغ: انظروا إليّ، صرتُ رجلًا يُسمع لي ويُطاع. وكان قبل أشهرٍ يلعب في الزقاق.
وهذا الذي لا يُحسن الناس ذكره حين يتكلّمون في هذا الباب. يقولون: طفلٌ سيق إلى الجبهة. ولا يقولون إنّ كثيرًا منهم ذهب راضيًا. والذي جنّده لم يخدع صبيًّا جاهلًا؛ بل عرف ما تشتهيه نفوس الغلمان: أن يُنظر إليهم، وأن يُطاعوا. فباعه لهم بثمنٍ يعرفه هو.
أخذ منه اللعبة ووضع في يده بندقًا، فرضي الغلام بالمقايضة وهو يحسب أنّه ربح.
ثم اتّسعت الحرب، فذهب فيمن ذهب إلى الجبهة، ولم يمضِ شهران حتى جاء خبر موته.
وعاد إلى الزقاق الذي كان يلعب فيه صورةً معلّقة.
ثم ماذا؟ لا شيء. غلامٌ لم يبلغ العشرين، صار وقودًا.
والحروب تقع، وهذا من شأن الدنيا منذ كانت. وأمّا أن يُنزع من غلامٍ لعبُه، ويوضع في يده بندق، ويُنقل من حضن أمّه إلى حضن المترس، فليس من شأن الدنيا في شيء؛ ذاك صنعُ رجلٍ جلس فقدّر، ثم نهض فنفّذ.
ثم صارت الصورة الواحدة صورًا، وامتلأت جدران الأحياء بوجوه غلمانٍ لم يبلغوا الحُلُم، تحت كلّ وجهٍ اسمٌ وتاريخ. ولست أذكر الحيّ الذي كان فيه صاحبي، لا حفظًا لسرّ، بل لأنّ الأحياء صارت سواء؛ فلو ذكرتُه لم أُميّزه من غيره.
ورأيتُ الجدران، ولم أرَ ما وراءها؛ فإنّ لهذه الصور ثمنًا لا يقع عليه بصر. وثّقت منظمة العفو الدولية أنّ أسرة الغلام تُوعَد بمبلغٍ يُدفع لها كلّ شهر إن قُتل في الجبهة، وأنّ الملصقات تُطبع له طبعًا مقرّرًا، وأنّ المجنّدين في الغالب من الفقراء. فللغلام ثمنٌ معلوم، لا تقبضه أمّه إلا بعد موته.
وهذا موثّق عن الحوثيين، ولم أرَ بعيني غلامَ الطرف الآخر، ولكنّي أعلم ما تقوله السجلّات: إنّ الذين جنّدوا الأطفال في اليمن ليسوا فريقًا واحدًا؛ ففي قائمة الأمم المتحدة للأطراف التي جنّدت في اليمن الحكومةُ المعترف بها، وميليشياتٌ موالية لها، والحوثيون، وقوات الحزام الأمني، وغيرهم. وقد تحقّقت الأمم المتحدة من نحو أربعة آلاف حالة، وتقول إنّ الحقيقة أكثر من ذلك، لأنّ الأسر تخاف أن تتكلّم.
على أنّ الذي يوجعني اليوم غير الذي أوجعني يومئذ.
فذلك الغلام كان قد عرف حياةً قبل الحرب: لعب في الزقاق، ومضى إلى المدرسة، وكان عنده ما يقايض به. وأمّا الذي يُقتل اليوم فالحرب أكبر منه. دخلت حربنا عامها الحادي عشر؛ فمن قُتل في هذه السنة وهو دون ذلك لم يرَ يومًا واحدًا بلا غارةٍ ولا مترس. ولم يُنزع منه شيء، لأنّه لم يملك شيئًا يُنزع.
فذاك خسر ما كان عنده، وهذا وُلد وليس عنده.
ورأيتُ الأوّل بعيني، وأمّا الباقون فأسمع بهم من وراء البحر، في بلدٍ لا يُسمع فيه صوت طائرة إلا وهي ذاهبة إلى مطار. يأتيني الخبر في هاتفي بين خبرين، فأقرؤه، ثم أضع الهاتف وأمضي إلى شغلي.
ولست أدري ما الذي يُطلب منّي غير هذا، غير أنّي أعرف أنّ الذي لا يُطلب منّي أن أنساه.
والحرب في عامها الحادي عشر، وفي الحيّ غلامٌ في العاشرة.
ثبت مختصر
```ما رأيتُه بعيني: الغلام في أوّل الحرب، ونقطة التفتيش، وخبر موته بعد شهرين، وصورته في الزقاق، وجدران الأحياء وقد امتلأت بأمثالها. ولم أذكر اسمًا ولا موضعًا.
منظمة العفو الدولية: تقريرها عن تجنيد الحوثيين للفتيان في الجبهات، ومنه الوعد بمبلغٍ شهري لأسرة القتيل، وطبع الملصقات، وأنّ المجنّدين في الغالب من الفقراء.
الأمم المتحدة: تقرير الأمين العام عن الأطفال والنزاع المسلّح، وهو مستند ما سمّيتُه في المتن «قائمة الأمم المتحدة»، ومنه أنّ الأطراف المجنّدة في اليمن عدّة: الحكومة المعترف بها، وميليشيات موالية لها، والحوثيون، وقوات الحزام الأمني، وغيرهم.
اليونيسف: أرقام الحالات المتحقّق منها منذ سنة 2015، ونصّها على أنّ العدد الحقيقي أكبر.
```
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.