حكاياتٌ من بلاد الملايو

سلطنة مَلاقة ٣: مَن ملك الميزان

تمهيد

من أراد أن يعرف حقيقةَ دولةٍ فلا ينظر في قصرها، ولينظر في ميزانها. فإنّ الملوك يبنون القصور لتُرى، وأمّا الموازين فإنّما تُصنع لتُستعمل؛ ولا يقيم الميزانَ الواحدَ في بلدٍ إلّا سلطانٌ يستطيع أن يُلزم به الناسَ وهم كارهون.

وفي قانون ملاقة المكتوب، وفي ما بقي من أخبار سوقها، أنّ أوزانها ومكاييلها كانت مضبوطةً معلومة: للثقيل منها وزنٌ يُسمّى «البهار»، وللأصغر منه «الفَرَاسِلة» و«الكاتي» و«التاهيل» — وهو «التايل» الذي كانت سيام تأخذ به الذهبَ من أهل هذا الساحل قبل أن تقوم السلطنة. وكان في المدينة من يلي أمر هذه الموازين، ومن يعاقب من عبث بها. فإنّ التاجر القادم من كامبايات أو من كانتون لا يعرف من أهل البلد رجلًا ولا يأمن على ماله أحدًا؛ فإن وجد ميزانًا لا يُحابي، فقد وجد ما هو أنفعُ له من صديق.

وهذه — فيما أرى — خلاصةُ ما سيأتي في هذه الحكاية: أنّ ملاقة لم تصر سوقَ الدنيا لأنّها أخصبُ ما حولها، فإنّها لم تكن تُخرج من أرضها قوتَ أهلها؛ ولا لأنّها أقوى ما حولها، فإنّ في جوارها من هو أكثرُ منها رجالًا. وإنّما صارت سوقًا لأنّها أقامت لمن ينزلها ما لا يجده عند غيرها: ميزانًا، وقانونًا، ورجلًا يرجع إليه إن ظُلم، وأمنًا في المضيق، ورُبّانًا يعرف متى يخرج.

لماذا ههنا دون غيرها

وقبل المضيّ ينبغي أن يُدفع سؤالٌ يرد على كلّ من عرف هذا الساحل. فإنّ مصبّات الأنهار فيه كثيرة، وفيها ما يصلح للمراسي كما صلح موضعُ ملاقة. ولم يكن سرُّ ملاقة أنّ سفن البحر العظام تدخل نهرها؛ فقد كانت الكبار منها ترسو في المرسى الخارجيّ ثم تُنقل بضائعُها في القوارب — على أنّ من المصادر المبكّرة ما يصف مرفأها بأنّه ملائمٌ عميقُ الماء. فليس السؤال إذن: لماذا اختار التجّار مرفأً رديئًا؟ بل: لماذا غلب هذا المرفأُ مرافئَ أخرى لا تقلّ عنه صلاحًا، وربّما فاقته إحداها في بعض وجوهها؟

والجوابُ في ثلاثة. أوّلها الموضعُ من الريح والطريق لا من النهر وحده؛ فقد قامت ملاقة في موضعٍ شديد الملاءمة لتبادل الحُمول بين السفن القادمة مع المواسم من غربيّ المحيط الهنديّ وتلك القادمة من بحار الصين والجزر، وكانت تجارتها تبلغ ذروتها عند انقضاء موسمٍ وابتداء آخر. غير أنّ هذه المزيّة لم تكن نقطةً ضيّقةً على الخريطة تنفرد بها دون سائر مرافئ المضيق، فلا تكفي وحدها لتفسير الصدارة. وثانيها — وهو الأصل — أنّ قيمة المرفأ في من فيه لا في مائه: فالغُجَراتيّ إنّما يقصد ملاقة لأنّ فيها جاويًّا يشتري منه، والجاويُّ يقصدها لأنّ فيها غُجَراتيًّا؛ فإذا اجتمع الاثنان في موضعٍ مرّةً صار اجتماعُهما فيه سببًا لاجتماعهما فيه ثانية. ومتى بلغ مرفأٌ هذا الحدّ لم ينفع منافِسَه عمقُ مائه، لأنّ الوافد إليه يجد ماءً ولا يجد من يبايعه. وثالثها أنّ عددًا من المصبّات التي كان يمكن أن تزاحمها دخل بعد ذلك في ملكها أو في شبكة طاعتها، فلم تعد مراكزَ مستقلّةً تنافسها على التجارة نفسها.

والدليل على أنّ الجغرافيا وحدها لم تكن هي الحاسمة أنّ الصدارة في هذه البحار انتقلت من مرفأٍ إلى مرفأ على مرّ القرون، ولم تنتقل معها الأنهارُ ولا المضيق. وإنّما كان ينتقل من يملك الترتيبَ والأمنَ وثقةَ الناس.

ملكٌ لا يشبه الملك

ولنبتدئ من الخارج قبل الداخل. فإنّ ملاقة في النصف الثاني من القرن الخامس عشر خرجت من حدود مدينتها، حتى صار لها من شبه الجزيرة أكثرُها، ومن شرق سومطرة أقاليمُ على أنهارها.

وينبغي أن يُفهم هذا الاتّساع على وجهه، لا على الوجه الذي تصوّره الخرائطُ الحديثة. فإنّ الخريطة تصبغ الأرضَ لونًا واحدًا فتوهمك أنّ ملاقة كانت تحكم كلَّ شبرٍ فيه، وليس الأمر كذلك. وإنّما كان الملكُ في تلك البلاد ملكَ أنهارٍ ومرافئ لا ملكَ مساحات: فمن ملك مصبَّ النهر ملك ما ينزل فيه من قصديرٍ أو ذهبٍ أو فلفل، ولا يبالي بما وراء ذلك من غابة. فكانت السلطنة تُقيم في كلّ مصبٍّ رجلًا من قِبَلها، أو تُبقي صاحبَه فيه على أن يعترف لها ويؤدّي إليها ويجيء بالرجال إذا دُعي.

وأبلغُ ما يصوّر هذه السيادة خبرٌ يذكره «سُلالة السلاطين»: أنّ صاحبَ قِدَح قدم على ملاقة يطلب «النَّوبة» — وهي الطبولُ والآلات التي تُقرع في مواكب الملك — لأنّها كانت علامةَ الملك المعترَف به في هذا العالم. فلم تكن هيبةُ ملاقة أن تدخل بلدًا بجيش، بل أن يأتيها صاحبُ بلدٍ يطلب منها ما يصير به ملكًا في أعين الناس. وهذا هو النفوذ في أنقى صوره: أن يجيء إليك الناسُ يطلبون منك ما لا تُنفق في إعطائه شيئًا.

ولم يكن هذا الملكُ ليقوم بلا بحر. فاستقرّ لقيادة قوّة ملاقة البحرية صاحبٌ يُعرف باسم منصبه «لَكسَمانا»، وصار في الذاكرة الملايوية أشهرَ مناصب السلطنة، تحكي عنه حكاياتٌ لا يُحصى عددُها. وأمّا عُدّةُ ذلك البحر فقد كانت من أهل البحر أنفسِهم، أولئك الذين يعيشون في قواربهم ويعرفون كلَّ ممرٍّ في تلك الجزر؛ فهم عينُ المضيق وحرسُه. ومن ملك هؤلاء ملك أن يجعل الطريق آمنًا لمن يدخل مرفأه، وغيرَ آمنٍ لمن يقصد مرفأً غيره. وهذه سياسةُ مرافئ لا سياسةُ فتوح.

الأربعةُ الذين يقبضون

فأمّا داخل المدينة فههنا موضعُ العجب. فإنّ ملاقة لم تكن مرفأً تجتمع فيه أممٌ فحسب، بل كانت مرفأً قسّم الأممَ الوافدة عليه أقسامًا، وجعل لكلّ قسمٍ رجلًا يلي أمره.

يذكر توميه بيريش أنّ في ملاقة أربعةً يُسمّى الواحدُ منهم «شاهبندر» — واللفظُ فارسيٌّ معناه صاحبُ المرفأ أو والي المرفأ — وأنّ الأممَ الوافدة مقسومةٌ بينهم. فواحدٌ لتجّار غُجَرات، وهم أكثرُ من ينزلها من الغرب. وآخرُ لمن جاء من سواحل الهند الجنوبية وبنغالة وبَغُو وباساي. وثالثٌ لأهل جاوة والمُلوك والبَندا وبالمبانج وبورنيو وما وراءها من الجزر. ورابعٌ لأهل الصين وتشامبا والريوكيو.

وعملُ الشاهبندر أن يتلقّى السفينةَ إذا دخلت، فيقدّم نخوذتها — أي ربّانها — إلى البنداهارا، ويهيّئ لهم المخازن والفيلة التي تحمل البضائع، ويدلّهم على الوسطاء الذين يبيعون لهم، ويقضي بين أهل طائفته إن اختلفوا. فهو والي أمّتهم في هذا المرفأ، وهو في الوقت نفسه عينُ السلطان عليهم.

وتأمّل ما في هذا من صنعةٍ في الحكم. فالتاجر الغريب أشدُّ ما يخيفه أن يقع في بلدٍ لا يعرف عرفَه ولا لسانَه، فيُظلم فلا يجد من يشكو إليه. فلمّا أقامت ملاقة له رجلًا من جنسه يرجع إليه، أمِن. ولمّا كان ذلك الرجل معيَّنًا من قِبَل السلطان، أمِن السلطانُ منه. فربحت الدولةُ الطاعةَ والمعرفة، وربح التاجرُ من يحميه، وهي الصفقةُ التي قامت عليها المدينة كلُّها. ومن أحبّ أن يعرف قدرَ هذه الصنعة فليقارن ملاقة بمرافئَ كثيرةٍ حولها لم تستطع أن تستبقي تجارة العابرين.

قانونان

ثم إنّ ملاقة صنعت ما هو أثبتُ من الرجال: وضعت قوانينها في نصوصٍ مكتوبة. وقد وصلت إلينا منها تقاليدُ مخطوطيةٌ تُعرف اليوم بـ«قانون ملاقة» و«قانون البحر»، تناسختها البلادُ الملايوية بعدها قرونًا فزادت فيها وعدّلت، وأقدمُ نسخها الباقية متأخّرةٌ عن سقوط السلطنة بزمن؛ غير أنّ نواتها ترجع إلى عهدها. فصارت ملاقة مُشرِّعةَ تلك البحار كما كانت سوقَها.

فأمّا قانون البحر فهو أعجبُهما، وهو يفرض السفينةَ دولةً صغيرةً في ماء. فيجعل للنخوذة على من في سفينته سلطانًا شبيهًا بسلطان الملك في بلده، ثم يقيّد هذا السلطان بحدود: فله أن يعاقب، وليس له أن يعاقب كيف شاء؛ وعليه أن يستشير كبارَ من معه في الأمر الجلل. ويفصّل من ذلك ما يعجب القارئَ: مَن يملك من موضع السفينة كذا وكذا، ومَن يحمل ماله على مال غيره، وما الحكمُ إذا ألقى الناسُ البضائعَ في البحر ليخفّفوا عن السفينة فمن يغرم، وما الحكم فيمن سُرق في عرض البحر، وفيمن أبق من العبيد، وفيمن جُنّ.

وفي هذا كلِّه ما يقول للتاجر ما يريد أن يسمعه: أنّ ماله إذا أقلع من هذا المرفأ فهو في ذمّةٍ معلومة، وأنّ الأمر ليس موكولًا إلى مزاج ربّانٍ في وسط البحر. ولهذا أقول إنّ أعظم ما بنته ملاقة لم يكن قلعةً ولا أسطولًا، وإنّما كان يقينًا في نفوس الغرباء.

وأمّا قانون ملاقة فهو في أمر البرّ: في العقوبات، وفي البيع والشراء والدَّين والرهن، وفي الأوزان، وفي ما يحلّ للناس من اللباس والزينة وما يُختصّ به الملك، وفي حدود ما يملكه كلُّ صاحب منصب. وفيه من أحكام الشريعة ما دخل فيه على مرّ الزمان، وفيه من عرف البلاد القديم ما بقي؛ فهو كالمسجد الذي تقدّم ذكرُه: مادّتُه من هنا وصورتُه من هناك.

ما كانت تأخذه

ولم تكن ملاقة تعيش من الهواء. وكانت تأخذ على البضائع الداخلة مكسًا، غير أنّها فرّقت فيه بين القادمين تفريقًا مقصودًا: فأمّا أهل الغرب — من عدن وهرمز وغُجَرات وسواحل الهند وبنغالة — فكان عليهم مكسٌ معلوم، يذكر بيريش أنّه بلغ ستّةً في المئة في طوائفَ منهم؛ وأمّا أهل الشرق والجزر — من باهانج وجاوة والبَندا والمُلوك والصين — فلم يُؤخذ من بضائعهم ذلك المكس، وإنّما أدّوا الهدايا، وكان عليهم أن يبيعوا نحوَ ربع حمولتهم بسعرٍ مخفّض. فاختلفت صورةُ ما تأخذه ملاقة من الجهتين أكثرَ ممّا اختلف مقدارُه.

وإلى جانب المكس هدايا. وهذا بابٌ لا ينبغي أن يُفهم على أنّه فسادٌ فحسب، وإن كان قد صار إليه في آخر الأمر. فإنّ التاجر كان يقدّم للسلطان وللبنداهارا وللتمنجونج وللشاهبندر من متاعه ما يليق بكلّ واحد، فيصير له في المدينة يدٌ ولسان. وهذه هي كلفةُ التجارة في مرفأٍ لا محاكمَ فيه كمحاكم زماننا: أن تشتري لك في البلد أصحابًا.

ثم كان أخطرُ ما في سوقها شيئًا لا يُجبى: طريقةٌ تختصر المساومة، فإنّ الحُمولة كانت تُسعَّر جملةً. فقد ذكر بيريش أنّ التاجر إذا أفرغ حمولته اجتمع إليه عشرةٌ من تجّار ملاقة أو عشرون، فزايدوا على الحمولة كلِّها، ثم ثبّتوا السعر واقتسموا البضاعة بينهم على قدر حصصهم. فلا يمضي التاجرُ الغريبُ شهورًا يماكس في كلّ حِمل، ولا تُملي عليه الدولةُ سعرًا؛ وإنّما تجد سوقًا قد جرى عرفُها على أن تُقضى الصفقةُ في مجلس. ومن سأل: ولماذا هذه العجلة؟ فالجواب في الريح؛ فإنّ من فاته موسمُ الإقلاع قعد في المدينة نصفَ سنةٍ ينفق ولا يكسب. فكانت السرعةُ في إتمام البيع خدمةً تُقدّمها ملاقة لا تقلّ عن المخزن والمرسى.

بضاعةٌ لا تنتهي وقوتٌ لا يكفي

وأمّا ما كان يمرّ في هذا المرفأ فشيءٌ يحيّر. من الشرق: القَرَنفُل من المُلوك، وجوزُ الطيب وقشرُه من البَندا، والصندلُ من تيمور، والذهبُ والأرزُّ من جاوة، والحريرُ والخزفُ والحديدُ من الصين. ومن الغرب: ثيابُ الهند وأنواعُها لا تُعدّ، وهي التي كانت تجري في تلك البلاد مجرى النقد يُشترى بها كلُّ شيء، وأفاويهُ الهند وعقاقيرُها، وما يجيء من بلادنا من لُبانٍ وبَخور. ومن شبه الجزيرة نفسها ومن سومطرة: القصديرُ والذهبُ والفلفلُ والكافورُ والعودُ والببّغاواتُ الملوّنة التي كانت تُحمل هديّةً إلى الملوك.

غير أنّ في هذا الجرد نقصًا هو أهمُّ ما فيه: أنّ مدينة ملاقة وحوزتها القريبة لم تكن تُنتج معظم ذلك. فلم تكن ثروتُها قائمةً على معدنٍ تستخرجه لنفسها — وإنّما كان القصديرُ يُجلب إليها من أقاليم أخرى — ولا كانت أرضُها الزراعية تكفيها، ولا فيها حقولُ أرزٍّ تُطعم مدينةً بهذا الحجم. وكان قوتُها يُجلب إليها في السفن من جاوة وسومطرة وبَغُو. فهي مدينةٌ تأكل ما يأتيها في البحر.

وهذه هي الحقيقة التي ينبغي أن يحملها القارئُ معه من هذه الحكاية. فإنّ المدينة التي تقوم كلُّها على المرور تصير أغنى ما حولها ما دام المرورُ قائمًا؛ فإذا انقطع الطريقُ أو أُغلق البابُ عليها، لم تجد في أرضها ما تأكله. وليس في هذا عيبٌ في من بناها، فما بُنيت إلّا على هذا؛ ولكنّه شرطُ عمرها.

أربعةٌ وثمانون لسانًا

ويحسن بنا أن نسمع الرجلَ الذي عدّ أهلَ هذه المدينة بعينه. فقد أقام توميه بيريش في ملاقة بعد الفتح البرتغاليّ، فكتب فيها كتابَه، وعدّد من نزلها من الأمم تعدادًا يبلغ العشراتِ: من القاهرة ومكّة وعدن وهرمز وكامبايات وكاليكوت وبنغالة وبَغُو وسيام ولوزون والصين والريوكيو وجاوة وبورنيو، وأممًا لا يعرف القارئُ العربيُّ أسماءها اليوم. وقال إنّه كثيرًا ما وُجد في مرفأ ملاقة أربعةٌ وثمانون لسانًا مختلفًا، على ما يؤكّده أهلُها.

ولا ينبغي أن يُؤخذ هذا العدد على أنّه إحصاءٌ محقَّق؛ فالرجلُ نفسُه ينسبه إلى أهل البلد لا إلى عدٍّ عدَّه، والعدد في مثل هذا المقام يُراد به الكثرةُ لا الحصر. ولكنّ دلالته قائمةٌ على كلّ حال: أنّ رجلًا أوروبيًّا وقف في مدينةٍ آسيويةٍ في مطلع القرن السادس عشر فرأى فيها من أجناس الناس ما لم يكن يرى مثلَه في أعظم مدائن بلاده. وهذا وحده يكفي جوابًا لمن يظنّ أنّ اجتماع الأمم في مدينةٍ واحدةٍ من مخترعات زماننا.

وقد قال بيريش في هذه المدينة كلمةً صارت أشهرَ ما قيل فيها، ومعناها أنّ من ملك ملاقة فقد وضع يده على عنق البُندقية. وهي كلمةٌ تُفهم على وجهها إذا علمتَ أنّ جانبًا كبيرًا من تجارة الأفاويه الآسيوية إلى أوروبا كان يمرّ في شبكاتٍ تنتهي إلى أسواق البُندقية، وأنّ أوّل الطريق من هذا المرفأ. فأمّا الرجلُ فقد كتبها تقريرًا لملكه، لا وصفًا لمدينةٍ أحبّها. ومن كتب في بلدٍ أنّ أخذَه يخنق عدوًّا، فإنّما يدلّ على موضع الأخذ.

خاتمة

ولو أردتَ أن تُجمل ما صنعته ملاقة في نصف قرنٍ لقلتَ إنّها صنعت شيئًا واحدًا: خفّضت كلفةَ الغريب. فالتاجر الذي كان يخرج من عدن أو كامبايات إلى هذه البحار يحمل معه مخاطرَ لا تُحصى: لا يعرف من يبيعه، ولا من يحفظ متاعه، ولا من يحكم له إن ظُلم، ولا متى يخرج، ولا هل يسلم في المضيق. فأقامت له ملاقة لكلّ واحدةٍ من هذه جوابًا: شاهبندرًا من جنسه، ومخزنًا مؤجَّرًا، وقانونًا مكتوبًا، وميزانًا مضبوطًا، وسوقًا تُقضى فيها الصفقةُ قبل انقلاب الريح، وأهلَ بحرٍ يحرسون المداخل. فلمّا فعلت ذلك جاءها الناسُ من حيث لا تحتسب.

ولم يكن في هذا كلِّه شيءٌ من معادن الأرض ولا من خصب التربة. وإنّما كان ترتيبًا وثقةً وحسنَ ظنّ. وهذا أغلى ما تملكه المرافئ، وهو في الوقت نفسه أهونُ ما يُفقَد؛ فإنّ المنجم لا يُسرق من مكانه، وأمّا الثقةُ فتذهب في يومٍ واحد.

فأمّا كيف كانت هذه المدينةُ في عين من رآها بعينه — من ربّانٍ عربيٍّ ومبعوثٍ صينيٍّ وكاتبٍ برتغاليٍّ وكتّاب البلاط أنفسِهم — فذلك بابٌ آخر، وأهلُه لم يتّفقوا على ما رأوا.


ثبتٌ مختصر

  • Tomé Pires, The Suma Oriental of Tomé Pires, trans. and ed. Armando Cortesão, 2 vols., London: Hakluyt Society, 1944 — ومنه الشاهبندراتُ الأربعةُ وتقسيمُ الأمم بينها، وعملُ الشاهبندر، والمكوسُ والهدايا، وتقديرُ أسعار الحُمول، وجردُ البضائع، وعددُ الألسنة، والكلمةُ في عنق البُندقية.
  • Afonso de Albuquerque, The Commentaries of the Great Afonso Dalboquerque, Second Viceroy of India, Vol. III, trans. Walter de Gray Birch, London: Hakluyt Society, 1880 — ومنه وصفُ مرسى ملاقة في أوائل القرن السادس عشر وكونُه ملائمًا عميقَ الماء، وأخبارُ المدينة والفتح البرتغاليّ.
  • Liaw Yock Fang (ed.), Undang-undang Melaka dan Undang-undang Laut, Kuala Lumpur: Yayasan Karyawan, 2013 — ومنه أحكامُ قانون ملاقة وقانون البحر: سلطانُ النخوذة وحدودُه، وإلقاءُ البضائع في البحر، والبيعُ والدَّينُ والأوزان.
  • Ma Huan, Ying-yai Sheng-lan: ‘The Overall Survey of the Ocean’s Shores’ [1433], trans. J. V. G. Mills, Cambridge: Hakluyt Society, 1970 — ومنه وصفُ المرفأ والمخازن، وما يُحمل منه وإليه.
  • C. C. Brown (trans.), “Sejarah Melayu or ‘Malay Annals’”, Journal of the Malayan Branch of the Royal Asiatic Society, Vol. 25, Nos. 2–3, 1952 — ومنه خبرُ صاحب قِدَح وطلبُه النَّوبة، وأخبارُ المناصب ومراتبِ البلاط.
  • Peter Borschberg, “The Melaka Empire, c. 1400–1528”, in Empires of the Sea: Maritime Power Networks in World History, Leiden: Brill, 2020 — ومنه طبيعةُ سيادة ملاقة على الأنهار والمرافئ لا على المساحات، وحدودُ ذلك الملك.
  • A. C. S. Peacock, “Melaka in the Arabic, Persian and Turkish sources”, Indonesia and the Malay World, 2024 — ومنه مواقيتُ الإبحار بين ملاقة وعدنَ وهرمزَ عند سليمان المهريّ، وحضورُ تجّار المسلمين فيها.

سفر اليماني

شارك المقال:
التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.